العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
أكد البنك الإفريقي للتنمية أن المغرب دخل مرحلة تحول استراتيجي عميق في قطاعي الطاقة والماء بعدما نجح في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 45 في المائة من قدرته الكهربائية الوطنية، بالتوازي مع تسريع غير مسبوق لمشاريع تحلية مياه البحر وإطلاق إصلاحات هيكلية واسعة لإعادة تنظيم سوق الكهرباء والماء.
كشف التقرير الأخير للمؤسسة المالية الإفريقية المتعلق بتقييم “برنامج دعم الحكامة الاقتصادية والقدرة على الصمود أمام التغير المناخي” أن المملكة باتت ترسخ موقعها كواحدة من أبرز القوى الإفريقية الصاعدة في مجال الانتقال الطاقي والأمن المائي، في ظل تسارع المشاريع المرتبطة بالطاقات النظيفة وتطوير البنيات التحتية المائية.
واعتبر التقرير أن حصيلة المغرب في هذين الورشين الاستراتيجيين “جد مرضية” مشيرا إلى أن المملكة تمكنت خلال السنوات الأخيرة من إحداث تحول تدريجي في نموذجها الطاقي، عبر تقليص التبعية للخارج وتوسيع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.
أوضح التقرير أن القدرة الكهربائية المركبة من مصادر متجددة تجاوزت خلال سنة 2025 سقف 5,4 جيغاواط، أي ما يعادل 45 في المائة من إجمالي القدرة الكهربائية الوطنية، مقابل 42 في المائة فقط سنة 2024، وهو ما يضع المغرب على مسار تجاوز أهدافه الأصلية المتعلقة بالانتقال الطاقي.
وفي هذا السياق رفع المغرب سقف طموحه الطاقي إلى بلوغ 52 في المائة من القدرة الكهربائية الوطنية من مصادر متجددة بحلول سنة 2027 بدل أفق 2030 الذي كان محددا سابقا، في خطوة تعكس بحسب التقرير تسارع وتيرة التحول داخل القطاع.
وربط البنك الإفريقي هذا التقدم بالسياسات التي اعتمدتها المملكة خلال العقدين الأخيرين بهدف تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الواردات الخارجية، مبرزا أن التبعية الطاقية للمغرب تراجعت من حوالي 97 في المائة سنة 2008 إلى أقل من 87 في المائة خلال سنة 2024.
ولم يقتصر التقرير على الجانب الطاقي فقط بل أكد أن المغرب يواصل أيضا تعزيز قدرته على مواجهة الإجهاد المائي عبر تسريع وتيرة مشاريع تحلية مياه البحر لمواجهة آثار الجفاف المتكرر والتغيرات المناخية.
أشار إلى أن المملكة تتوفر حالياً على 17 محطة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تفوق 350 مليون متر مكعب سنويا، فيما توجد أربع محطات إضافية قيد الإنجاز بطاقة تصل إلى 567 مليون متر مكعب سنويا، إلى جانب برمجة 11 محطة جديدة لتأمين احتياجات الماء الصالح للشرب والفلاحة والصناعة.
سجل التقرير أن المغرب يراهن على هذه المشاريع لتأمين استقلاله المائي وتقليص الضغط المتزايد على الموارد التقليدية، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على المياه.
وفي الجانب الاقتصادي توقعت المؤسسة الإفريقية أن يواصل الاقتصاد المغربي تسجيل نسب نمو قوية خلال السنوات المقبلة، مرجحة بلوغ معدل النمو 4 في المائة سنة 2026 و4,3 في المائة سنة 2027، مدفوعا بانتعاش القطاع الفلاحي، والاستثمارات العمومية والنمو المتواصل للصادرات الصناعية والسياحية.
كما توقف التقرير عند الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي أطلقها المغرب داخل سوق الطاقة، وعلى رأسها نظام “شهادات منشأ الكهرباء الخضراء”، الذي يسمح بتتبع مصدر الطاقة المتجددة المستعملة داخل الوحدات الصناعية، ويساعد المقاولات المغربية على التكيف مع المعايير البيئية الجديدة للأسواق الدولية خصوصا الأوروبية.
وأبرز أيضا التقدم الحاصل في تعميم العدادات الذكية، وتأطير شركات الخدمات الطاقية “ESCO”، بهدف تعزيز النجاعة الطاقية وتقليص استهلاك الكهرباء، إلى جانب إصدار مرسوم جديد لتنظيم استغلال منشآت الإنتاج الذاتي للكهرباء بما يسمح للفاعلين الاقتصاديين بإنتاج جزء من احتياجاتهم الطاقية بشكل مستقل.
وفي ما يتعلق بحكامة القطاع، أكد التقرير أن الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء باتت تضطلع بدور متزايد في تحرير السوق الكهربائية وتعزيز شفافيتها، بعدما اعتمدت عدة قرارات تنظيمية جديدة تهم تسهيل الولوج إلى شبكات النقل والتوزيع الكهربائي وتأطير تسعيرة فائض الكهرباء الناتج عن الطاقات المتجددة.
كما سلط التقرير الضوء على ورش إعادة هيكلة المكتب الوطني للماء والكهرباء عبر دراسة تحويله إلى شركة مساهمة، إلى جانب الفصل المحاسباتي بين أنشطة الإنتاج والنقل والتوزيع، في خطوة تروم تعزيز الشفافية وتهيئة القطاع لمزيد من الانفتاح التدريجي على المنافسة.
وخلص البنك الإفريقي للتنمية إلى أن مجموع هذه الإصلاحات والمشاريع يمنح المغرب قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية والتقلبات المناخية، ويعزز موقعه كمنصة إقليمية للطاقة الخضراء والأمن المائي في القارة الإفريقية مؤكدا أن المملكة تسير بخطى متسارعة نحو تحقيق، وربما تجاوز أهدافها الاستراتيجية في مجال الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.











