العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
شهدت مخيمات تندوف نهاية الأسبوع المنصرم وقفتين احتجاجيتين منفصلتين، أعادتا إلى الواجهة حجم الاحتقان الاجتماعي والحقوقي داخل المخيمات، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة إلى قيادة جبهة البوليساريو بشأن طريقة تدبير الملفات الإنسانية والاجتماعية، ومدى قدرتها على الاستجابة لمطالب السكان المتزايدة.
جاءت الاحتجاجات عقب عودة زعيم الجبهة إبراهيم غالي من الجزائر، حيث شارك في افتتاح الدورة الرابعة عشرة للجامعة الصيفية بمدينة بومرداس، في توقيت تتقاطع فيه الاحتجاجات الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية متسارعة تحيط بالجبهة وتعيد طرح أسئلة حول مستقبلها السياسي وقدرتها على الحفاظ على تماسك المخيمات.
نظمت الوقفة الأولى أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتركزت مطالب المحتجين حول طريقة تدبير ملفات الإجلاء الطبي إلى إسبانيا، خصوصا بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات علاجية عاجلة خارج المخيمات. وجاء الاحتجاج في أعقاب وفاة أحد السكان كان يعاني من مرض خطير ولم يتمكن، وفق المعطيات المتداولة من الاستفادة من العلاج في إسبانيا، وهو ما دفع محتجين إلى المطالبة بمراجعة آليات الاستفادة من الإجلاء الطبي وضمان المساواة في الولوج إليه.
تزامنت هذه المطالب مع انتقادات بشأن وجود تفاوت في الاستفادة من بعض الخدمات الإنسانية، وسط حديث عن استفادة أشخاص تربطهم علاقات بقيادة الجبهة من إمكانيات لا تتاح لباقي السكان، وهي اتهامات تضع تدبير المساعدات والخدمات الطبية أمام أسئلة مرتبطة بالشفافية وعدم التمييز.
وفي مخيم الرابوني المركز الإداري لجبهة البوليساريو اتخذ الاحتجاج مسارا أكثر ارتباطا بالملف الحقوقي، بعدما تجمع محتجون أمام مكتب إبراهيم غالي للمطالبة بالكشف عن مصير عدد من أقاربهم الذين تقول عائلاتهم إنهم محتجزون في سجون تابعة للجبهة.
طالب المحتجون بمعرفة مصير ذويهم وأوضاعهم في تحرك يعيد إلى الواجهة ملف المعتقلين والمفقودين داخل المخيمات، ويطرح بصورة مباشرة مسألة المسؤولية عن الأشخاص الخاضعين للسيطرة الفعلية لقيادة البوليساريو، ومدى التزامها بضمان حقوقهم الأساسية وتمكين عائلاتهم من المعلومات المتعلقة بهم.
تكشف طبيعة المطالب المرفوعة في الوقفتين عن انتقال الاحتجاج داخل المخيمات من مجرد التعبير عن التذمر من الظروف الاجتماعية والمعيشية إلى مساءلة مباشرة لآليات الحكامة والمساءلة. فالمطالبة بالعلاج والإجلاء الطبي تلتقي مع المطالبة بالشفافية في توزيع الخدمات، بينما يفتح ملف المحتجزين والمفقودين نقاشا أكثر حساسية حول الحق في معرفة الحقيقة والمسؤولية القانونية والإنسانية عن الأشخاص الموجودين تحت سلطة الجبهة.
كما أن تزامن الاحتجاجات مع عودة إبراهيم غالي من الجزائر يمنحها بعدا سياسيا إضافيا، خصوصا في ظل النقاش الذي رافق مشاركته في الجامعة الصيفية ببومرداس وطبيعة الاستقبال الذي حظي به من المسؤولين الجزائريين. وبينما يصعب الجزم بوجود علاقة مباشرة بين الأمرين، فإن التوقيت يضع الاحتجاجات في سياق أوسع من التوتر الذي يحيط بقيادة الجبهة وعلاقاتها بمحيطها الإقليمي.
وتتصل الأزمة أيضا بطريقة تدبير الشأن الإنساني داخل المخيمات، في ظل استمرار التساؤلات حول المعايير المعتمدة في توزيع بعض الخدمات والمساعدات، وحول حجم السكان الحقيقيين للمخيمات، إضافة إلى ما يثار بشأن المحسوبية والزبونية في بعض الملفات، من بينها التأشيرات والإجلاء الطبي إلى إسبانيا.
تزداد حساسية هذه الملفات بالنظر إلى كون سكان المخيمات يعيشون منذ عقود في وضعية إنسانية استثنائية، بينما تمارس جبهة البوليساريو سلطة فعلية على مختلف جوانب حياتهم اليومية. وهو ما يجعل المطالب المرتبطة بالصحة والعدالة والمعلومات عن المفقودين تتجاوز كونها مطالب اجتماعية عابرة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لطريقة ممارسة السلطة داخل المخيمات.
وفي هذا السياق فإن استمرار الاحتجاجات أمام مقرات قيادة الرابوني قد يشير إلى اتساع الفجوة بين القيادة والسكان، خصوصا إذا انتقلت المطالب من الاحتجاج على الخدمات إلى مساءلة مباشرة عن طريقة اتخاذ القرار وتدبير الموارد والحقوق الأساسية.
ولا يمكن فصل هذه التطورات الداخلية عن التحولات التي عرفها محيط الجبهة خلال السنوات الأخيرة، إذ شهد ملف الصحراء إعادة ترتيب واضحة لخريطة المواقف الدولية، مع اتساع دائرة الدول التي أعلنت دعمها لمغربية الصحراء أو لمبادرة الحكم الذاتي، وافتتاح عدد متزايد من القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، إلى جانب مواقف دول وازنة دعمت المقترح المغربي باعتباره أساسا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع.
في المقابل تبدو البوليساريو أمام بيئة إقليمية ودولية أكثر تعقيدا في وقت لم يعد فيه خطابها التقليدي قادرا بالزخم نفسه على استقطاب الدعم الخارجي، بينما تتزايد الأسئلة حول طبيعة علاقاتها الإقليمية ومصادر تمويلها وتسليحها، في سياق دولي أكثر حساسية تجاه التنظيمات المسلحة وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
كما أن التحولات التي تعرفها الجزائر باعتبارها الداعم الإقليمي الرئيسي للجبهة، تضيف عاملا آخر إلى المشهد، خصوصا مع تعدد الضغوط والأولويات التي تواجهها الجزائر داخليا وخارجيا، وإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، بما قد يؤثر في طبيعة الدعم الذي اعتادت قيادة البوليساريو الاعتماد عليه.
ومن هذه الزاوية تبدو احتجاجات تندوف أبعد من كونها تحركات اجتماعية محدودة. فهي تكشف عن تراكم مطالب ترتبط بالحياة اليومية للسكان، لكنها في الوقت نفسه تضع شرعية القيادة أمام اختبار داخلي متزايد، خصوصا عندما تصبح المطالب متعلقة بالعدالة والحقوق الأساسية والكشف عن مصير أشخاص تقول عائلاتهم إنهم يوجدون في أماكن احتجاز تابعة للجبهة.
ويبقى التطور الأهم مرتبطا بمآلات هذه الاحتجاجات: فإذا ظلت محصورة في ملفات اجتماعية وإنسانية، فقد تتمكن القيادة من احتوائها عبر الاستجابة الجزئية للمطالب. أما إذا اتسعت لتشمل قضايا الحكامة والمساءلة والحقوق والحريات، فإنها قد تتحول إلى ضغط داخلي أكثر استدامة، يطال جوهر العلاقة بين قيادة البوليساريو والسكان الذين تدعي تمثيلهم.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: فبينما تحاول قيادة الجبهة الحفاظ على حضورها السياسي خارج المخيمات باعتبارها طرفا في نزاع إقليمي، تفرض الاحتجاجات القادمة من الداخل عليها مواجهة أسئلة أكثر إلحاحا حول قدرتها على تدبير شؤون السكان، وضمان حقوقهم، وتوفير أبسط شروط الشفافية والمساءلة.
وبذلك فإن ما يجري في تندوف لا يتعلق فقط بمطالب مرتبطة بالعلاج أو المفقودين أو الخدمات الإنسانية، بل قد يكون مؤشرا على بداية انتقال الاحتقان من أزمة معيشية إلى أزمة ثقة، وهي مرحلة يصبح فيها مستقبل شرعية القيادة مرتبطا ليس فقط بما تقوله في الخارج، وإنما بكيفية تعاملها مع الأصوات التي بدأت ترتفع من داخل المخيمات نفسها












