العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تحولت مدينة العيون اليوم الثلاثاء إلى منصة لإطلاق واحدة من أبرز الشراكات الاقتصادية المغربية الأمريكية في الأقاليم الجنوبية، بعدما وقعت الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية (USTDA) اتفاقية منحة بقيمة 5.7 ملايين دولار مع ائتلاف ORNX لتمويل الدراسات الهندسية الأولية (Pre-FEED) لمشروع ضخم لإنتاج الأمونيا الخضراء، في خطوة تؤسس لأول تمويل فيدرالي أمريكي لمشروع استثماري بالصحراء المغربية، تفتح الباب أمام استثمارات تناهز 6.3 مليارات دولار في أحد أكثر القطاعات الواعدة عالميا.

ولا تكمن أهمية الاتفاقية في قيمتها المالية فحسب بل في طبيعة المشروع الذي يشكل إحدى اللبنات الأساسية للاستراتيجية المغربية للهيدروجين الأخضر، وفي الرسائل الاقتصادية والسياسية التي حملها حفل التوقيع، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بتجديد دعمها السياسي لمغربية الصحراء، بل انتقلت إلى ترجمة هذا الموقف عبر استثمارات ومشاريع صناعية كبرى تجعل من العيون مركزا صاعدا في الاقتصاد الأخضر العالمي.

سيقود ائتلاف من كبريات الشركات الأمريكية تتقدمه KBR إلى جانب GE Vernova وElectric Hydrogen وTerabase، الدراسات التقنية والهندسية للمشروع، التي تشمل مختلف الجوانب الهندسية والاقتصادية والبيئية والمالية، تمهيدا للانتقال إلى مرحلة التصميم الهندسي النهائي واتخاذ قرار الاستثمار.

ويستهدف المشروع إنشاء وحدة صناعية كبرى لإنتاج نحو 560 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوي اعتمادا على الهيدروجين الأخضر، وهو ما سيجعل مدينة العيون تحتضن أحد أهم المشاريع الصناعية المرتبطة بالطاقات المتجددة على مستوى إفريقيا.

ولا تقتصر الدراسات على الجوانب التقنية، بل تشمل أيض تصميم البنيات الكهربائية والبحرية، ومحطة لتحلية مياه البحر، وأنظمة السلامة الصناعية، والنموذج الاقتصادي للمشروع على مدى خمسة وعشرين عام، بما يضمن جاهزيته للانتقال إلى مرحلة الإنجاز.

يجسد المشروع ثمرة الرؤية الاستراتيجية التي يقودها الملك محمد السادس، والتي جعلت من الانتقال الطاقي والهيدروجين الأخضر ركيزة لتعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة.

وفي هذا السياق أكد طارق أمزيان مفضل الرئيس المدير العام للوكالة المغربية للطاقة المستدامة (MASEN)، أن المغرب اختار منذ سنوات الاستثمار في الطاقات المتجددة باعتبارها خيارا استراتيجيا، وأن مشروع ORNX يمثل انتقالا فعليا من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الإنجاز.

وأوضح أن جهة العيون الساقية الحمراء تتوفر على مؤهلات طبيعية ولوجستية استثنائية، من موارد شمسية وريحية هائلة، وميناء على الواجهة الأطلسية وبنيات تحتية حديثة، تجعلها مؤهلة لتصبح منصة صناعية لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة ومشتقاتها.
وأضاف أن المشروع الذي تقدر قيمته بحوالي 6.3 مليارات دولار، يمثل نموذج عمليا لتنزيل “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر”، وسيمكن من خلق صناعة جديدة قائمة على التكنولوجيا والابتكار والقيمة المضافة.
حملت كلمة السفير الأمريكي لدى المغرب ديوك بوكان الثالث رسائل سياسية واقتصادية واضحة، عندما أعلن أن الاتفاقية تمثل أول تمويل حكومي أمريكي موجه لمشروع تابع للقطاع الخاص في الصحراء المغربية.
وأكد السفير أن العلاقات المغربية الأمريكية أصبحت أقوى من أي وقت مضى، بفضل الرؤية المشتركة للملك محمد السادس والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشددا على أن الولايات المتحدة تجدد دعمها الثابت لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم لقضية الصحراء المغربية.
وقال إن واشنطن أصبحت اليوم حاضرة في الصحراء المغربية من خلال مشاريع ملموسة، مضيفا أن هذا التمويل يعكس انتقال الشراكة بين البلدين من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى الاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل.
ولم يخف السفير الأمريكي إعجابه بما وصفه بالتحول الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية، مؤكدا أن العالم كان يرى في هذه المنطقة مجرد صحراء، بينما رأت فيها القيادة المغربية فضاءً للاستثمار والتنمية، وهو ما جعلها اليوم تستقطب كبريات الشركات الأمريكية.
ورغم أن قيمة المنحة تبلغ 5.7 ملايين دولار فقط، فإن أهميتها تتجاوز بكثير بعدها المالي لأنها تمول الدراسات التي تشكل الأساس لأي مشروع صناعي ضخم.
وفي هذا الإطار أوضح توماس هاردي، نائب المدير التنفيذي للوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية، أن هذه الدراسات ستحدد جميع الجوانب التقنية والاقتصادية للمشروع، وستسهم في تقليص المخاطر الاستثمارية، وجذب التمويلات اللازمة للانتقال إلى مرحلة البناء.
وأكد أن الوكالة الأمريكية تراهن على جعل المشروع أحد ركائز التنمية الصناعية في الصحراء المغربية، مشيرا إلى أن التعاون بين الشركات الأمريكية والمغربية سيفتح الباب أمام مشاريع أخرى في المستقبل.
من جهته أكد بيتر غيش الرئيس التنفيذي لشركة ORNX، أن المشروع لا يهدف فقط إلى إنشاء مصنع لإنتاج الأمونيا، بل إلى بناء منظومة صناعية متكاملة تعتمد على أحدث التكنولوجيات الأمريكية، وتخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الأقاليم الجنوبية.
وأوضح أن المغرب استطاع، بفضل سياساته الاقتصادية واستقراره السياسي، أن يفرض نفسه كإحدى أكثر الوجهات جذبا للاستثمارات الصناعية، معتبراً أن المنحة الأمريكية تعكس الثقة الدولية في مستقبل الصحراء المغربية كمركز للطاقة والصناعة.
وأضاف أن المشروع سيحول العيون إلى منصة صناعية قادرة على تزويد الأسواق المغربية والدولية بالأمونيا منخفضة الكربون، بما يعزز تنافسية المملكة في الاقتصاد الأخضر.
بدوره اعتبر محمد أمين بلحاج، مدير الدبلوماسية الاقتصادية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن توقيع الاتفاقية يحمل بعدا سياسيا يتجاوز قيمته الاقتصادية، لأنه يعكس ثقة الولايات المتحدة في مستقبل الأقاليم الجنوبية وفي البيئة الاستثمارية التي وفرتها المملكة.
وأكد أن المشروع يمثل نموذجا للدبلوماسية الاقتصادية التي تنهجها المملكة، حيث تتحول الشراكات السياسية إلى استثمارات ملموسة ومشاريع صناعية تخلق الثروة وفرص الشغل.
ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه العالم سباقا متسارعا نحو الطاقات النظيفة، حيث تعد الأمونيا الخضراء من أكثر المنتجات المطلوبة في الأسواق الدولية، سواء لاستعمالها في صناعة الأسمدة أو باعتبارها ناقلا آمنا للهيدروجين الأخضر، إضافة إلى استخدامها في الصناعات الكيميائية والنقل البحري.
ويراهن المغرب على هذه السوق العالمية الصاعدة لتعزيز مكانته كأحد أبرز المنتجين للطاقة النظيفة، مستفيدا من مؤهلاته الطبيعية ومن موقعه الجغرافي الذي يجعله جسرا بين أوروبا وإفريقيا.
لا يمثل مشروع ORNX مجرد استثمار صناعي جديد، بل يعكس تحولا في موقع الأقاليم الجنوبية داخل الخريطة الاقتصادية للمملكة، إذ لم تعد العيون مجرد مركز إداري أو بوابة نحو العمق الإفريقي، بل أصبحت وجهة تستقطب التكنولوجيا الأمريكية، والاستثمارات الدولية، والصناعات المرتبطة باقتصاد المستقبل.
ويؤكد توقيع أول منحة فيدرالية أمريكية لفائدة مشروع يقام بالصحراء المغربية أن الشراكة بين الرباط وواشنطن دخلت مرحلة جديدة، عنوانها الاستثمار والإنتاج والابتكار، وأن الرؤية التي تبنتها المملكة منذ سنوات في مجال الطاقات المتجددة بدأت تتحول إلى مشاريع استراتيجية كبرى، ترسخ مكانة المغرب كقوة إقليمية صاعدة في اقتصاد الطاقة النظيفة، وتمنح مدينة العيون موقعا متقدما على خريطة الصناعة الخضراء العالمية.











