أسرار نصف قرن من الخداع.. كيف تحولت البوليساريو إلى ذراع للجزائر ومأساة للصحراويين؟

محرر مقالات27 يوليو 2026
أسرار نصف قرن من الخداع.. كيف تحولت البوليساريو إلى ذراع للجزائر ومأساة للصحراويين؟

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

 

لم تكن الخرجة الإعلامية الأخيرة للبشير الدخيل أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، شهادة شخصية عابرة أو مراجعة متأخرة لمسار سياسي عاش تفاصيله من الداخل، بل كانت أقرب إلى وثيقة تاريخية تعيد طرح أسئلة ظلت تؤرق الباحثين والمتابعين لقضية الصحراء منذ أكثر من نصف قرن. فالرجل الذي كان يوما من صناع الفكرة خرج اليوم ليقدم رواية مغايرة للسردية التي بنت عليها الجبهة مشروعها السياسي، متحدثا عن تنظيم بدأ بحسب روايته حركة شبابية متأثرة برياح التحرر التي اجتاحت العالم في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتحول تدريجيا إلى أداة تخدم حسابات إقليمية لا علاقة لها بالشعارات التي رفعها مؤسسوه.

 

لا تكتسب شهادة الدخيل أهميتها من حدتها فحسب بل من موقع صاحبها داخل تاريخ الجبهة. فهو لم يكن مراقبا من الخارج، وإنما أحد الذين شاركوا في التأسيس، قبل أن يغادر التنظيم سنة 1975 ليصبح لاحقا من أبرز منتقديه، واضعا أصبعه على ما يعتبره نقطة التحول التي غيرت مسار البوليساريو بالكامل.

 

يرى البشير الدخيل أن فهم قضية الصحراء لا يبدأ سنة 1973 مع إعلان تأسيس البوليساريو، بل يعود إلى سنة 1963، عندما اندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر بعد أشهر قليلة من استقلال الأخيرة. وبحسب قراءته فإن تلك الحرب القصيرة زرعت داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية هاجس المواجهة الدائمة مع المغرب، لتتحول الحدود الغربية إلى إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في شمال إفريقيا. ويعتبر أن الجزائر منذ تلك المرحلة ظلت تبحث عن ورقة استراتيجية تستنزف بها المغرب وتمنع تحوله إلى قوة إقليمية مهيمنة.

 

هذه القراءة لا تلغي تعدد التفسيرات التاريخية للنزاع لكنها تقدم زاوية من داخل أحد أبرز الفاعلين الذين عاشوا مرحلة التأسيس، وتنسجم مع ما يعتبره عدد من الباحثين بداية تشكل التنافس الإقليمي بين الرباط والجزائر بعد الاستقلال.

 

يكشف الدخيل أن المؤسسين الأوائل لم يكونوا يحملون في بداياتهم مشروعا انفصاليا بالمعنى الذي أصبحت عليه الجبهة حاليا، بل كانوا مجموعة من الشباب المتأثرين بالمد الثوري العالمي الذي اجتاح الجامعات وحركات التحرر في أواخر ستينيات القرن الماضي. وفي تلك المرحلة كان الوجود الإسباني في الصحراء يشكل الهدف المباشر، وكانت فكرة مقاومة الاستعمار هي العنوان الجامع لهذا الحراك. غير أن المسار بحسب شهادته لم يلبث أن تغير جذريا بعد سنة 1975، عندما خرجت إسبانيا من الإقليم، وبدأت موازين القوى الإقليمية تفرض واقعا جديدا على التنظيم الوليد.

 

فبعد انسحاب إسبانيا يقول إن القرار السياسي والعسكري للجبهة لم يعد يصنع داخل مؤسساتها، وإنما أصبح رهينا بإرادة الدولة الجزائرية، التي وجدت في البوليساريو وسيلة لإدارة صراعها مع المغرب. ويختصر هذه الفكرة بعبارة صادمة حين يقول إن الصحراويين بالنسبة إلى السلطة الجزائرية لم يكونوا سوى “حجرة في صباط المغاربة”؛ أي مجرد وسيلة لإزعاج المغرب واستنزافه لا أكثر.

 

وتعد هذه العبارة المنسوبة للرئيس الجزائري هواري بومدين من أقسى الانتقادات التي وجهت إلى طبيعة العلاقة بين البوليساريو والجزائر، إذ تنقل النقاش من مستوى الدعم السياسي إلى مستوى التوظيف الجيوسياسي.

 

لا يتوقف الدخيل عند الجانب السياسي، بل ينتقل إلى ما يعتبره الجانب الأكثر قتامة في تاريخ الجبهة. ففي شهادته يتحدث عن حالات اعتقال تعسفي، واختفاء قسري، وتعذيب، وحرمان من حرية التنقل، وسرقة للمساعدات الإنسانية، معتبرا أن هذه الممارسات أصبحت، حسب وصفه، “الترجمة الفعلية للإرهاب”.

 

وتنسجم بعض هذه الاتهامات مع تقارير دولية سابقة أثارت إشكالات تتعلق بإدارة المساعدات الإنسانية الموجهة إلى مخيمات تندوف، من بينها تقرير صادر عن المكتب الأوروبي لمكافحة الغش (OLAF)، الذي خلص إلى وجود اختلالات في تدبير جزء من المساعدات خلال فترات سابقة، وهو ما فتح آنذاك نقاشا واسعا داخل المؤسسات الأوروبية.

 

وفي المقابل ظلت قيادة البوليساريو تنفي باستمرار الاتهامات الموجهة إليها بشأن الانتهاكات أو سوء تدبير المساعدات، معتبرة أنها جزء من حملة تستهدفها سياسيا.

 

من أكثر النقاط التي شدد عليها الدخيل تحميله الدولة الجزائرية مسؤولية ما يجري داخل مخيمات تندوف، باعتبار أن المخيمات تقع فوق أراضيها وتحت سيادتها. ويتساءل مستنكرا: كيف يمكن لدولة تستضيف تنظيما مسلحا فوق أراضيها أن تتنصل من المسؤولية عما يقع داخل تلك المخيمات؟

 

ويمثل هذا الطرح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش القانوني المرتبط بالنزاع، حيث ترى أطراف مختلفة أن مسؤولية الدولة المضيفة تظل قائمة بحكم القانون الدولي، بينما تتمسك الجزائر بموقفها الذي تعتبر فيه نفسها غير معنية بتدبير الشؤون الداخلية للمخيمات.

 

يتوقف الدخيل أيضا عند ما يعتبره توظيفا سياسيا للرموز، منتقدا محاولة ربط قضية الصحراء بالقضية الفلسطينية، أو تقديمها باعتبارها “فلسطين شمال إفريقيا”. ويرى أن هذا الخطاب اعتمد على استثارة العاطفة أكثر من اعتماده على قراءة دقيقة للوقائع التاريخية والقانونية، معتبرا أن المقارنة بين الملفين تتجاهل اختلاف السياقات القانونية والسياسية لكل منهما.

 

وفي المقابل شهدت السنوات الأخيرة توسعا كبيرا وكاسحا في الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، والتي يصفها مجلس الأمن في قراراته المتعاقبة وآخرها القرار 2797، بأنها أساس جاد وذي مصداقية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.

 

تتزامن شهادة الدخيل مع مرحلة دقيقة تمر بها البوليساريو على المستوى الدولي. فالجبهة تواجه تراجعا في الاعترافات الدبلوماسية، مقابل اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، كما تواجه نقاشا متصاعدا داخل الولايات المتحدة بشأن مشروع قانون يرمي إلى تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، في ظل اتهامات تتعلق بعلاقات مزعومة مع شبكات تنشط في منطقة الساحل.

 

ورغم أن المشروع لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، فإن مجرد طرحه داخل الكونغرس يعكس تغيرا في طبيعة النقاش الأمريكي حول مستقبل الجبهة.

 

أخطر ما في شهادة البشير الدخيل أنها لا تصدر عن خصم سياسي للبوليساريو، بل عن أحد الذين شاركوا في بنائها منذ البدايات. وبين رواية حركة رفعت شعار مقاومة الاستعمار، وصورة تنظيم يتهمه أحد مؤسسيه بالانحراف عن أهدافه الأولى، يبرز سؤال يزداد حضورا مع كل تحول دبلوماسي تشهده القضية: هل ما تزال البوليساريو تمثل المشروع الذي تأسست من أجله، أم أنها أصبحت رهينة حسابات إقليمية تجاوزها الزمن؟

 

في المقابل تتجه الأمم المتحدة مدعومة بتزايد التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، نحو الدفع بمسار سياسي يقوم على حل تفاوضي واقعي ومستدام. وبينما تتعزز مشاريع التنمية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وتتسع دائرة الدول الداعمة للمقترح المغربي، تبدو الجبهة أمام تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة، تجعل من شهادات قادتها السابقين أكثر من مجرد مراجعات شخصية؛ إنها مؤشرات على أزمة هوية ومسار، قد تعيد رسم مستقبل نزاع استمر لعقود.

الاخبار العاجلة