من هرمز إلى جبل طارق… كيف تحوّلت أنظار التجارة العالمية نحو الموانئ المغربية؟

محرر مقالات27 مارس 2026
من هرمز إلى جبل طارق… كيف تحوّلت أنظار التجارة العالمية نحو الموانئ المغربية؟

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

في لحظة جيو اقتصادية فارقة أعاد إغلاق مضيق مضيق هرمز منذ مطلع مارس 2026 ترتيب أولويات التجارة البحرية العالمية، ليس فقط عبر تعطيل أحد أهم شرايين الطاقة بل عبر دفع الفاعلين الدوليين إلى البحث عن بدائل أكثر أمانا واستقرارا. وفي خضم هذا التحول برز مضيق جبل طارق كأحد أبرز الممرات المرشحة لاحتضان جزء من التدفقات المعاد توجيهها بحكم موقعه الاستراتيجي عند تقاطع المتوسط بالأطلسي.

 

هذا التحول لم يكن ظرفيا بل يعكس انتقالا أعمق نحو ما بات يعرف بـ”جغرافيا المخاطر”، حيث لم تعد الكلفة وحدها معيارا حاسما، بل أضحت سلامة الممرات البحرية واستمرارية الإمدادات عوامل مركزية في تحديد مسارات التجارة. وهو ما أعاد توجيه الأنظار بشكل متزايد نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، حيث تتموضع الموانئ المغربية كخيار لوجستي موثوق وقادر على التكيف مع التحولات.

 

تجلت أولى انعكاسات الأزمة في ارتفاع حاد لتكاليف الشحن البحري مع فرض رسوم إضافية تراوحت بين 1500 و3300 دولار للحاوية، وبلغت أحيانا 4000 دولار، إلى جانب زيادات أخرى على الخطوط الرابطة بين المغرب وشرق آسيا. كما ساهمت القفزة القياسية في أسعار الوقود البحري التي تجاوزت 35% في أسبوع واحد في تعميق الضغط على سلاسل الإمداد.

 

وأمام هذا الوضع أعادت التحالفات البحرية الكبرى هيكلة خدماتها، مع اعتماد مسارات بديلة تمر عبر رأس الرجاء الصالح ما أدى إلى تمديد زمن العبور بما بين 10 و14 يوما. ورغم ذلك حافظت الموانئ المغربية على موقعها ضمن الشبكات العالمية، إذ فضلت شركات الملاحة الالتفاف حول إفريقيا بدل تعليق خدماتها.

 

في هذا السياق أكد الدكتور موسى المالكي منسق ماستر الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لإفريقيا بجامعة محمد الخامس بالرباط في تصريح خص به جريدة العيون الآن أن “المضائق البحرية وعلى رأسها هرمز وباب المندب وجبل طارق، أصبحت أدوات جيوسياسية حاسمة تستخدم كورقة ضغط في الصراعات الدولية، لما لها من تأثير مباشر على التجارة العالمية وأسواق الطاقة”.

 

وأضاف أن “التحولات الراهنة تدفع الدول والشركات إلى البحث عن ممرات أكثر أمنا، وهو ما يمنح مضيق جبل طارق المؤطر بمنظومة الموانئ المغربية أهمية متزايدة داخل الفضاء الأورومتوسطي”، مشيرا إلى أن “المغرب استطاع بفضل سياسة مينائية قائمة على الاستثمار وتثمين موقعه الجغرافي أن يتحول إلى قوة بحرية صاعدة”.

 

واعتبر المالكي أن ميناء طنجة المتوسط “نجح في فرض نفسه ضمن أكبر المنصات المينائية العالمية، بأزيد من 10 ملايين حاوية سنويا وربط مع أكثر من 180 ميناء عبر العالم”، مضيفا أن هذا الأداء “يعكس انتقال المغرب من مجرد نقطة عبور إلى فاعل محوري في تنظيم سلاسل الإمداد”.

 

لا يقتصر هذا التحول على طنجة المتوسط بل يمتد إلى مشاريع استراتيجية أخرى، في مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط الذي يرتقب أن يعزز العرض المينائي الوطني بطاقة تناهز 3 إلى 5 ملايين حاوية سنويا، إلى جانب قدرات مهمة في مجال الطاقة خاصة الغاز الطبيعي.

 

وفي هذا الإطار يوضح المالكي أن “المغرب لا يطور موانئ معزولة، بل يبني منظومة متكاملة تضم منصات صناعية وطاقية وخدمات لوجستية، قادرة على استقطاب سلاسل القيمة العالمية”، لافتا إلى أن هذا التوجه يساهم في “إعادة توزيع موازين القوة داخل غرب المتوسط، وتقليص الهيمنة التقليدية لبعض الموانئ الأوروبية”.

 

بالتوازي مع هذه الدينامية يفرض إغلاق مضيق هرمز تحديات مباشرة على الدول المستوردة للطاقة من بينها المغرب، في ظل ارتفاع أسعار النفط واحتمال انعكاسه على كلفة الإنتاج والتضخم. غير أن هذه التحديات تقابلها فرص استراتيجية، في ظل إعادة توزيع الأنشطة اللوجستية والصناعية نحو مناطق أكثر استقرارا.

 

وفي هذا السياق تتعزز مكانة المغرب كمحور لوجستي إقليمي، مستفيدا من موقعه الجغرافي، واستقراره السياسي، واستثماراته المتواصلة في البنية التحتية، خاصة على مستوى الربط بين الموانئ وعمقها الاقتصادي الإفريقي.

 

تكشف التحولات الجارية أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة ظرفية بل إعادة تشكيل عميقة لخريطة التجارة العالمية. وفي قلب هذه الدينامية يبرز المغرب كفاعل قادر على التكيف والاستفادة، عبر تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة استراتيجية.

 

وبين صدمة هرمز وصعود مضيق جبل طارق، يتأكد أن ما حققته المملكة في مجال الموانئ لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى أرساها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، قائمة على تثمين الموقع الجغرافي وتطوير البنيات التحتية، وبناء منظومة لوجستية متكاملة جعلت من المغرب رقما صعبا في معادلة التجارة الدولية.

الاخبار العاجلة