العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
يدخل ملف الصحراء المغربية مرحلة دقيقة داخل مجلس الأمن الدولي، في ظل تعثر المفاوضات التي استؤنفت مطلع السنة الجارية، وتصاعد النقاش بشأن الخيارات المتاحة أمام المنظمة الأممية لتجاوز الجمود، خصوصا بعد إحاطة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، التي أعادت طرح سؤال الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن آليات أكثر فاعلية لتنفيذ التسوية السياسية.
تكتسب هذه المرحلة أهميتها من كون التعثر الحالي يأتي بعد اعتماد القرار الأممي رقم 2797، الذي وضع المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صلب المفاوضات، بما يجعل التحدي المطروح أمام مجلس الأمن لا يتعلق فقط بإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، وإنما بتحديد كيفية تحويل المرجعية السياسية إلى اتفاق عملي قابل للتنفيذ.
وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن في 8 أكتوبر الجاري أقر دي ميستورا وفق المعطيات المتداولة بشأن الاجتماع، بوصول العملية التفاوضية إلى طريق مسدود، رغم عقد ثلاث جولات من المحادثات رفيعة المستوى في واشنطن ومدريد، بمشاركة الأطراف المعنية وتحت رعاية أمريكية وأممية.
ولم يقتصر تشخيص المبعوث الأممي على تسجيل استمرار الخلافات، بل دعا إلى تدخل مجلس الأمن لتوضيح الإطار الذي ستجري ضمنه المفاوضات المقبلة، مع إعطاء الأولوية لمناقشة الحكم الذاتي الحقيقي، باعتباره مدخلا لتجاوز التباعد بين المواقف.
يعني هذا التوجه من الناحية السياسية الانتقال من مفاوضات مفتوحة حول المبادئ العامة إلى نقاش أكثر تحديدا بشأن مضمون التسوية، بما يشمل طبيعة المؤسسات المحلية، والصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية، والضمانات المرتبطة باستمرار الحكم الذاتي، فضلا عن آليات إشراك السكان المعنيين في الاتفاق المحتمل.
وفي هذا السياق يبرز المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره أساسا تفاوضيا يمكن تطوير تفاصيله عبر النقاش، دون أن يعني ذلك أن التوصل إلى اتفاق نهائي أصبح أمرا تلقائيا، أو أن الخلافات السياسية والقانونية قد انتهت.
تضع هذه التطورات جبهة البوليساريو أمام اختبار جديد يتعلق بمدى استعدادها للانتقال من رفض المبادرة المغربية إلى دراستها وتقديم ملاحظات ومقترحات عملية بشأنها، خصوصا في ضوء الدعوات دي ميستورا لتوضيح نقاط الخلاف بدل الاكتفاء بالمواقف المبدئية.
كما يطرح تلويح الجبهة بإعادة النظر في تعاونها مع المبعوث الأممي تساؤلات بشأن تأثير هذا الموقف على فرص استئناف المفاوضات، في وقت تتطلب فيه المرحلة المقبلة استمرار التواصل وتقديم تنازلات تفاوضية متبادلة للوصول إلى صيغة متوافق عليها.
ومع ذلك فإن تعثر المفاوضات بعد نحو سنة من اعتماد القرار 2797 لا يعني بالضرورة استنفاد فرص التسوية. فالمسار السياسي لا يزال في مرحلة اختبار إمكانيات المرجعية الجديدة، خصوصا مع الانخراط الأمريكي المباشر في جهود الوساطة، وهو عامل يمنح العملية زخما دبلوماسيا يمكن استثماره قبل التفكير في خيارات أكثر تشددا.
ويظل توسيع التشاور مع مختلف المكونات الصحراوية إحدى القضايا المطروحة في هذا السياق، بما يسمح بإغناء النقاش حول مستقبل المنطقة وترتيبات الحكم الذاتي، مع بقاء تحديد المشاركين في العملية الرسمية خاضعا للإطار الذي تعتمده الأمم المتحدة.
بالتوازي مع هذا الجمود برز نقاش بشأن إمكانية انتقال مجلس الأمن إلى إجراءات أكثر إلزاما، خصوصا إذا استمرت الخلافات السياسية وتواصلت الخروقات المبلغ عنها لوقف إطلاق النار.
يستند هذا النقاش إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتيح لمجلس الأمن اتخاذ تدابير ملزمة عندما يقرر، وفق المادة 39، وجود تهديد للسلم والأمن الدوليين أو إخلال بهما أو وقوع عمل عدواني.
غير أن الانتقال إلى هذا الإطار لا يحدث تلقائيا بسبب تعثر المفاوضات أو رفض أحد الأطراف مقترحا سياسيا، بل يتطلب تقديرا قانونيا وسياسيا مستقلا من مجلس الأمن، إلى جانب توافر الأصوات اللازمة لاعتماد القرار وعدم استخدام أي عضو دائم لحق النقض.
ولهذا فإن المعطيات الحالية لا تسمح باعتبار اللجوء إلى الفصل السابع خيارا، وإن كانت تفتح المجال أمام مناقشة وسائل أخرى لتعزيز فاعلية المسار الأممي.
ويأتي ذلك في ظل تحركات داخل الكونغرس الأمريكي لتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، من خلال مبادرات تشريعية طرحها أعضاء جمهوريون، وهي خطوات تعكس مواقف داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، لكنها لا تشكل في حد ذاتها قرارا حكوميا بالتصنيف، ولا تعني انتقال ملف الصحراء تلقائياً إلى الفصل السابع.
مع اقتراب انتهاء ولاية بعثة المينورسو في 31 أكتوبر الجاري، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيتعامل بها مجلس الأمن مع المأزق التفاوضي، وما إذا كان سيكتفي بتجديد ولاية البعثة، أم سيعتمد لغة سياسية أكثر وضوحا بشأن التزامات الأطراف والمرجعية التي ينبغي أن تحكم المفاوضات.
وتشمل الخيارات الممكنة تشديد الدعوة إلى الانخراط الجدي في العملية السياسية، وتحديد أولويات أكثر دقة للمفاوضات المقبلة، أو إعادة تقييم بعض جوانب عمل البعثة الأممية، دون أن يعني ذلك بالضرورة الانتقال إلى إجراءات عقابية.
تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بمدى قدرة المجلس على تحويل الدعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي إلى مسار تفاوضي منتج، يركز على تفاصيل الاتفاق وضمانات تنفيذه، بدل استمرار الدوران في الخلافات نفسها التي عطلت التسوية لعقود.
وفي المحصلة لا يبدو أن التحدي المطروح أمام مجلس الأمن يتمثل حاليا في الاختيار المباشر بين التفاوض والفصل السابع، بقدر ما يتعلق بتحديد مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي اللازم لإخراج المفاوضات من الجمود.
وبين استمرار الوساطة الأمريكية والأممية، وتزايد الدعوات إلى مناقشة الحكم الذاتي بصورة عملية، يبرز القرار المرتقب باعتباره اختباراً لقدرة مجلس الأمن على الانتقال من تثبيت مرجعية التسوية إلى توفير الشروط السياسية اللازمة لتفعيلها، مع بقاء الاتفاق النهائي رهيناً بمسار التفاوض ومواقف الأطراف المعنية.
