العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة أكثر حساسية بعد انتهاء الجولة الأولى من اللقاءات التي قادتها فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيلها، مع الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى اجتماعات حزبية مرتقبة يوم السبت 3 أكتوبر، ينتظر أن تحسم جزءا مهما من خريطة الأغلبية والمعارضة.
ومنذ تكليفها بتشكيل الحكومة تحركت المنصوري سريعا لفتح المشاورات مع القوى السياسية، غير أن الجولة الأولى لم تنتج إلى حدود مساء الجمعة تركيبة حكومية واضحة. فبين أحزاب أبدت استعدادها للمشاركة، وأخرى أحالت القرار على مؤسساتها التقريرية، وقوى حسمت تموقعها في المعارضة، تبدو رئيسة الحكومة أمام أكثر من سيناريو لبناء أغلبية قادرة على نيل ثقة مجلس النواب والاستمرار خلال السنوات الخمس المقبلة.
لا يتعلق التحدي فقط بجمع العدد المطلوب من المقاعد، بل بطبيعة التحالف الذي ستختاره المنصوري: هل تعيد تشكيل الأغلبية السابقة مع تغيير لمراكز القيادة؟ أم تتجه نحو صيغة جديدة تمنح الحكومة المقبلة تركيبة سياسية مختلفة؟
يبقى موقع التجمع الوطني للأحرار أحد أهم مفاتيح المعادلة. فالحزب أعلن رسميا عبر مكتبه السياسي، استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، لكنه أحال القرار النهائي على مجلسه الوطني الذي ينعقد السبت 3 أكتوبر. وبالتالي، فإن سيناريو انتقاله إلى المعارضة يظل احتمالا سياسيا لكنه ليس الموقف المعلن للحزب إلى حدود الآن؛ إذ تميل القيادة الحالية إلى إبقاء باب المشاركة مفتوحا.
قرار الأحرار ستكون له انعكاسات تتجاوز موقع الحزب نفسه. فمشاركته تفتح الباب أمام إمكانية إعادة بناء جزء كبير من التحالف الذي أدار الولاية السابقة، ولكن هذه المرة تحت قيادة الأصالة والمعاصرة، بينما خروجه إلى المعارضة سيغير بصورة أوسع توازن القوى داخل مجلس النواب ويمنح المعارضة كتلة أكبر.
وهنا يبرز سؤال سياسي ستواجهه الأحزاب إذا أعيد إنتاج التحالف السابق: ما الذي غيرته انتخابات 2026 في هندسة الأغلبية إذا استمرت المكونات الحكومية نفسها واقتصر التحول الأساسي على انتقال رئاسة الحكومة من حزب إلى آخر؟
وهو سؤال لا يجعل عودة التحالف السابق مستبعدة، لكنه يضع الأحزاب المعنية أمام ضرورة تقديم تفسير سياسي للرسالة التي حملتها صناديق الاقتراع وإعادة ترتيب موازين القوة داخل الائتلاف.
في الجهة الأخرى تبدو مؤشرات حزب الاستقلال أكثر ميلا نحو الاستمرار في التدبير الحكومي. فمصدر قيادي من اللجنة التنفيذية للحزب تحدث عن توجه داخل القيادة نحو المشاركة مع بقاء القرار النهائي للمجلس الوطني.
يستند هذا التوجه بحسب المصدر إلى رغبة الحزب في مواصلة عدد من الأوراش التي شارك في تدبيرها خلال الولاية السابقة، مع استحضار موقعه السياسي والانتخابي وامتداده في عدد من الجهات، فيما لم تناقش القيادة بعد توزيع الحقائب الحكومية.
وإذا انتهت المؤسسات التقريرية للاستقلال والأحرار إلى تأييد المشاركة، فإن ذلك سيجعل إعادة التحالف الثلاثي السابق أحد الخيارات العملية أمام المنصوري، مع اختلاف جوهري هذه المرة يتمثل في انتقال قيادة الحكومة إلى الأصالة والمعاصرة.
لكن هذا ليس الخيار الوحيد، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يغلق باب الحكومة ولم يعلن انتقاله إلى المعارضة، واختار تفويض متابعة المفاوضات إلى قيادته في انتظار نضج شروطها.
أما التقدم والاشتراكية فلا يزال النقاش داخله مفتوحا بين من يدافع عن الاستمرار في المعارضة ومن يرى إمكانية دراسة المشاركة وفق شروط سياسية وبرنامجية، ما يجعله بدوره ضمن الأحزاب التي لم تحسم موقعها النهائي.
وهذه المساحة من عدم الحسم تمنح المنصوري بدائل إضافية إذا اختارت عدم الاكتفاء بإعادة التحالف السابق.
فالخيار الأول يقوم على أغلبية محدودة المكونات وأكثر سهولة في تدبير العلاقات داخلها، بينما يقوم الخيار الثاني على توسيع الائتلاف وإدخال قوى جديدة، بما يمنحه قاعدة سياسية وبرلمانية أوسع، ولكن مع ارتفاع كلفة التفاوض والبحث عن التوافق بين برامج ومصالح حزبية متعددة.
حسابيا تحتاج الحكومة إلى قاعدة برلمانية تمكنها من الحصول على ثقة مجلس النواب. وينص الفصل 88 من الدستور على أن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء لصالح البرنامج الحكومي. لكن الأرقام وحدها لا تضمن استقرار الحكومة.
وفي هذا السياق لا يبدو بلوغ الأغلبية العددية كافيا وحده لضمان استقرار الحكومة وفعاليتها، إذ يرتبط تماسك الائتلاف أيضا بوجود حد أدنى من التقارب السياسي والبرنامجي، وقدرته على تدبير الخلافات والحفاظ على الانسجام بين مكوناته داخل الحكومة والبرلمان، بما يحول دون تحول أغلبية مريحة من حيث عدد المقاعد إلى أغلبية هشة سياسيا عند أول اختبار تشريعي أو حكومي.
ومن هذه الزاوية يصبح السؤال بالنسبة إلى المنصوري أبعد من: من يوفر المقاعد؟ ليتحول إلى: أي أحزاب تستطيع العمل معا لخمس سنوات ضمن برنامج وتوازن سياسي قابلين للاستمرار؟
وفي الوقت الذي تتفاوض فيه أحزاب على دخول الحكومة، بدأت الضفة المقابلة تتضح تدريجيا.
حزب العدالة والتنمية حسم اختياره للمعارضة، وهو ما أكده أمينه العام عبد الإله بنكيران خلال الجدل الذي رافق تعذر لقائه بالمنصوري، مشددا في الوقت نفسه على أن الخلاف مع الأصالة والمعاصرة سياسي وليس شخصيا.
كما اختار تحالف اليسار المكون من الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، موقع المعارضة، رغم موافقته المبدئية على التشاور مع رئيسة الحكومة، قبل أن يتعذر عقد اللقاء بسبب الخلاف حول مكان انعقاده.
لكن الحجم الحقيقي للمعارضة المقبلة لن يتضح قبل معرفة مصير الأحزاب التي لم تحسم موقفها بعد. فإذا انتهت المشاورات إلى أغلبية واسعة تستوعب عددا كبيرا من الأحزاب، ستصبح المعارضة أضيق عدديا، وإن كان ذلك لا يحسم بالضرورة فعاليتها السياسية والرقابية. أما إذا اختارت المنصوري حكومة تقوم على عدد محدود من المكونات، فقد يتشكل في الجهة المقابلة قطب معارض أكبر وأكثر تنوعا.
وبذلك فإن تحديد هوية من يبقى خارج الحكومة قد يكون مؤثرا في الولاية المقبلة بقدر تحديد هوية المشاركين فيها.
لهذا تكتسب اجتماعات السبت أهمية خاصة. فالتجمع الوطني للأحرار أحال قرار المشاركة على مجلسه الوطني، والاستقلال يستعد بدوره لحسم توجهه داخل مؤسساته، فيما تعقد الحركة الشعبية دورة استثنائية لمجلسها الوطني لتقييم الانتخابات ومناقشة المرحلة السياسية المقبلة. كما يعقد الأصالة والمعاصرة مجلسا وطنيا استثنائيا لمناقشة نتائج الاستحقاقات.
وستسمح مخرجات هذه الاجتماعات بتقليص دائرة الاحتمالات، ونقل المشاورات من مرحلة جس النبض واستطلاع المواقف إلى مفاوضات أكثر دقة حول هندسة الأغلبية وبرنامجها وتوازناتها.
يتزامن كل ذلك مع اقتراب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، ما يضع المشاورات تحت ضغط سياسي وزمني، لكن دون أن يجعل افتتاح البرلمان أجلا دستوريا يجب قبله الانتهاء من تشكيل الحكومة.
فالتجربة المغربية سبق أن شهدت افتتاح البرلمان بينما كانت مفاوضات تشكيل الحكومة مستمرة كما وقع سنة 2016، في حين اكتمل تشكيل حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 قبيل افتتاح الدورة البرلمانية.
وبالتالي يستطيع المسار الدستوري الاستمرار حتى في حال عدم اكتمال الحكومة قبل افتتاح البرلمان، لكن استمرار المفاوضات لفترة أطول سيبقي سؤال الأغلبية مفتوحا في بداية الولاية التشريعية الجديدة.
إلى حدود مساء الجمعة لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن المنصوري ستعيد التحالف الثلاثي السابق، كما لا تسمح بالقول إن التجمع الوطني للأحرار سيتجه حتماً إلى المعارضة. المؤكد أن رئيسة الحكومة تملك أكثر من طريق للوصول إلى أغلبية برلمانية، لكن الاختيار بينها سيحدد جزءا مهما من الهوية السياسية للحكومة المقبلة.
فإعادة التحالف السابق توفر استمرارية سياسية وبرلمانية لعدد من الأوراش، لكنها تطرح على مكوناته سؤال كيفية ترجمة التغيير الذي أفرزته الانتخابات. أما بناء تحالف مختلف، فيمنح الحكومة تركيبة جديدة، لكنه يفرض مفاوضات أكثر تعقيدا للوصول إلى الانسجام البرنامجي والسياسي.
لهذا لن يكون السؤال الحاسم بعد اجتماعات السبت فقط: من سيدخل الحكومة؟ بل: أي أغلبية ستختار المنصوري لقيادة المرحلة المقبلة، وأي معارضة ستنتج عن هذا الاختيار؟
