العيون الآن.
يوسف بوصولة
استدعت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية يوم السبت، القائم بأعمال سفارة فرنسا بالجزائر، على خلفية بث القناة العمومية الفرنسية “فرانس 2” تحقيقا تلفزيونيا تناول قضايا وصفت من طرف السلطات الجزائرية بـ“الخطيرة” والمتعلقة بطبيعة النظام السياسي في البلاد ورئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. واعتبرت الخارجية الجزائرية في بيان رسمي، أن ما عرض لا يرقى إلى عمل وثائقي، بل يندرج ضمن “حملة عدائية” و“حرب سرية” تستهدف الدولة الجزائرية ومؤسساتها ورموزها، محملة القناة الفرنسية ومن يقف خلفها، مسؤولية ما سمته تصعيدا جديدا في العلاقات الجزائرية الفرنسية

استدعاء الجزائر القائم بأعمال سفارة فرنسا عقب بث تحقيق لقناة “فرانس 2” ليس حدثا دبلوماسيا عابرا، بل حلقة جديدة في مسار متكرر يتعامل فيه النظام الجزائري مع الصحافة الاستقصائية بوصفها تهديدا سياديا، لا ممارسة إعلامية مشروعة. فبدل تفنيد ما ورد في التحقيق بالحجج والمعطيات، اختارت الخارجية الجزائرية تصعيدا لغويا ودبلوماسيا غير مسبوق، وصفت العمل الصحفي بـ“الاعتداء الجلي” و“الحرب السرية ضد الجزائر”.
بلاغ وزارة الخارجية كما ورد في نصه، لم يناقش مضمون التحقيق ولا الوقائع التي عرضها، بل انصرف إلى شيطنة الوسيط الإعلامي، واتهام القناة العمومية الفرنسية بالتواطؤ، بل والذهاب أبعد من ذلك باتهام السفارة والسفير شخصيا بالمشاركة في “حملة مسيئة”. هذا الانزلاق من نقد إعلامي إلى اتهام دبلوماسي مباشر يعكس هشاشة في التعاطي مع الصحافة، ويطرح سؤالا جوهريا: لماذا يخاف النظام من تحقيق تلفزيوني؟
في الأعراف الدولية، التحقيقات الصحفية عندما تكون قاسية تواجه بالرد أو بالتوضيح أو باللجوء إلى الهيئات التنظيمية للإعلام، لا باستدعاء دبلوماسيين ورفع منسوب التوتر بين الدول. تحويل عمل إعلامي إلى أزمة دبلوماسية يكشف رغبة واضحة في خلط الأوراق، وإيصال رسالة داخلية مفادها أن الجزائر “مستهدفة” وأن ما يجري ليس نقدا بل مؤامرة.
هنا تحديدا تبد وظيفة البرباغندا. فالنظام الذي يواجه انسدادا سياسيا، وتآكلا في الثقة الشعبية، يحتاج إلى “عدو خارجي” يعيد من خلاله ترتيب المشهد. الإعلام الأجنبي يصبح خصما، والتحقيق الاستقصائي يتحول إلى “حرب”، وأي سؤال عن الحكم أو الثروة أو السلطة يصنف كاستهداف للأمة. إنها تقنية بالية: عندما يعجز الخطاب الداخلي عن الإقناع، يستدعى خطاب الحصار.
الأخطر في هذا البلاغ ليس لغته الانفعالية، بل محاولته فرض وصاية سياسية على الإعلام العمومي الفرنسي، وكأن الدولة الجزائرية تطالب ضمنيا بأن يخضع العمل الصحفي في فرنسا لاعتبارات رضاها السياسي. هذا منطق يتناقض كليا مع حرية الصحافة التي يدعي النظام الجزائري احترامها، ويؤكد أن المشكلة ليست في “فرانس 2”، بل في مضمون ما كشف.
التحقيق الذي فجر هذا التصعيد لم يأت من فراغ، بل يندرج ضمن تراكم أعمال صحفية دولية تناولت طبيعة الحكم في الجزائر، وحدود السلطة، وأدوار المؤسسة العسكرية، وآليات القرار. الرد العنيف لا يلغي هذه الأسئلة، بل يمنحها مصداقية إضافية، ويظهر أن أوراق النظام تتبعثر كلما اقترب الضوء من مناطق الظل.
في نهاية المطاف ما جرى ليس دفاعا عن السيادة بقدر ما هو محاولة لإدارة الوعي. فبدل مواجهة الواقع المرير الذي يعيشه المواطن الجزائري “غلاء، بطالة، انسداد سياسي…” يدفع الرأي العام إلى معركة وهمية مع “إعلام معاد” و“مؤامرات دولية”. إنها حرب سرديات بامتياز: سردية رسمية تقوم على التخويف والتجييش، في مواجهة سردية صحفية تحاول السؤال والكشف.
إن الدول الواثقة من مؤسساتها لا تخشى التحقيقات، بل تتعامل معها كجزء من المجال العام. أما الأنظمة التي ترى في الكاميرا خصما، وفي الصحفي عدوا، فهي أنظمة تعرف جيدا أن المشكلة ليست في السرد… بل في الحقيقة التي يحاول السرد إخفاءها.











