العيون الآن.
يوسف بوصولة / العيون.
مرة أخرى، تثبت الجزائر أن مواقفها الخارجية لا تبنى على أسس دبلوماسية متزنة، بل تتحكم فيها ردود فعل انفعالية تكشف ارتباكها في التعاطي مع مستجدات الساحة الدولية. بقرار مجلس الأمة الجزائري تعليق تعاونه مع مجلس الشيوخ الفرنسي بسبب زيارة رئيسه إلى مدينة العيون، ليس سوى خطوة أخرى في مسار التصعيد غير المجدي الذي اختارته الجزائر في تعاملها مع المغرب وحلفائه. هذه الخطوة، التي تفتقر لأي بعد استراتيجي، لا تعكس سوى عزلة الجزائر المتزايدة، وعدم قدرتها على مجاراة التحولات الدولية التي تصب في صالح المغرب، سواء دبلوماسيا أو اقتصاديا.
زيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي إلى المغرب، التي شملت الرباط والعيون، لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عادي، بل جاءت لتعزز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وترسّخ الاعتراف المتزايد بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. فمنذ أن أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بمغربية الصحراء، بالإضافة التصريح التاريخي للرئيس الفرنسي في قبة البرلمان المغربي، توالت المواقف الدولية التي تدعم الرباط، حيث فتحت أكثر من 30 دولة قنصلياتها في العيون والداخلة، في تأكيد واضح على سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
الجزائر، التي باتت عاجزة عن التأثير في هذه الدينامية الدولية، لم تجد سوى تعليق تعاونها مع مجلس الشيوخ الفرنسي كرد فعل انعزالي لا يخدم مصالحها، بل يزيد من توتر علاقاتها مع واحدة من أهم القوى الدولية التي ترتبط بها اقتصاديا وسياسيا.
في الوقت الذي يعزز فيه المغرب موقعه كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي، كدولة فاعلة في القارة الإفريقية، تصر الجزائر على انتهاج سياسات انفعالية تزيد من عزلتها الدولية. فقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وتجميد التعاون مع إسبانيا بعد دعمها لخطة الحكم الذاتي، وأخيرا تعليق العلاقات مع مجلس الشيوخ الفرنسي، كلها مؤشرات على أن الجزائر تتبنى سياسة الهروب إلى الأمام، بدلا من مراجعة سياساتها الفاشلة في ملف الصحراء المغربية.
هذه العزلة لم تعد مقتصرة على الجانب السياسي فقط، بل بدأت تداعياتها تطال الجانب الاقتصادي، حيث تتراجع الاستثمارات الأجنبية في الجزائر، فيما يعزز المغرب موقعه كوجهة استثمارية واعدة بفضل استقراره السياسي ووضوح رؤيته الاقتصادية.
لا يمكن قراءة هذا التصعيد الجزائري بمعزل عن الأوضاع الداخلية المتدهورة التي تعيشها جارة السوء، حيث يواجه النظام الجزائري تحديات اقتصادية واجتماعية خانقة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، تراجع قيمة الدينار، واستمرار الاحتقان الشعبي بسبب غياب الحريات السياسية والتضييق على الصحافة المستقلة. في ظل هذه الأوضاع، يلجأ النظام إلى افتعال الأزمات الخارجية، متخذا من قضية الصحراء المغربية ذريعة لصرف الأنظار عن إخفاقاته المتكررة في تسيير شؤون البلاد.
إن تعليق التعاون مع مجلس الشيوخ الفرنسي لا يضر المغرب في شيء، بل يعزل الجزائر عن أحد أهم شركائها الدوليين، خاصة وأن فرنسا تعد من بين أبرز المستثمرين في السوق الجزائرية. وبدلًا من البحث عن حلول عقلانية تضمن مصالح الشعب الجزائري، يواصل النظام نهج سياسة التصعيد غير المجدية، مما سيؤدي حتما إلى مزيد من القوقعة والانغلاق على الذات.
لقد بات واضحا أن الخطاب الجزائري الرسمي حول الصحراء المغربية لم يعد يجد أي صدى على المستوى الدولي، حيث تؤكد قرارات الأمم المتحدة المتتالية أن الحل الوحيد الممكن هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. في المقابل، لا تزال الجزائر تحاول إحياء مشروع “الجبهة الوهمية”، رغم أن العديد من الدول سحب اعترافها بها، معتبرة أنها كيان مصطنع لا يخدم سوى أجندات الحرب الباردة.
إن إصرار الجزائر على وضع نفسها في مواجهة الإرادة الدولية، بدلا من تبني نهج براغماتي يخدم مصالحها، لن يؤدي سوى إلى مزيد من العزلة، فيما يواصل المغرب ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة بشراكات دولية متينة ورؤية تنموية واضحة.
قرار مجلس الأمة الجزائري تعليق التعاون مع مجلس الشيوخ الفرنسي ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل التصعيد الذي تتبناه الجزائر ضد المغرب وحلفائه. غير أن هذه السياسات لن تغير من الواقع شيئا: المغرب ماض في تعزيز سيادته على أقاليمه الجنوبية، والمجتمع الدولي يتبنى بشكل متزايد مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وعادل.
في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام مأزق صنعته بنفسها، حيث لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الدولية، ولم يعد أمامها سوى خيارين: إما مراجعة سياساتها الخارجية والاعتراف بالحقائق المغربية، أو الاستمرار في سياسات العزلة والتصعيد، وهو خيار لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع والخسائر على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.












