الجزائر تعلن تطهير موقع نووي بمشاهد احتفالية.. صور بلا حصيلة وأرقام تضع الرواية الرسمية تحت المجهر

محرر مقالات2 نوفمبر 2026
الجزائر تعلن تطهير موقع نووي بمشاهد احتفالية.. صور بلا حصيلة وأرقام تضع الرواية الرسمية تحت المجهر

العيون الآن 

 

يوسف بوصولة – العيون

 

أثار شريط مصور بثه التلفزيون الجزائري الأحد فاتح نونبر 2026، بشأن إطلاق عملية جديدة لتطهير موقع التجربة النووية الفرنسية “بيريل” بمنطقة إن إيكر قرب تمنراست، تساؤلات حول طبيعة الأشغال المنجزة فعليا، بعدما اقتصرت المشاهد المعروضة على تجهيزات تقنية واستعراض للعاملين بالموقع، دون تقديم معطيات كمية توثق حجم النفايات المشعة التي جرى جمعها أو المساحات التي خضعت للمعالجة.

 

وجاء الإعلان بالتزامن مع الذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة الجزائرية، حيث بثت قناة “AL24 News” الحكومية شريطا مدته دقيقتان و22 ثانية، بعنوان “إطلاق العملية الثانية لتطهير موقع نفق بيريل E2” تضمن لقطات جوية للموقع، وعناصر يرتدون ملابس واقية، وآليات ثقيلة، إلى جانب لافتة تؤرخ لانطلاق العملية في فاتح نونبر.

 

غير أن المشاهد التي استعرضتها القناة أثارت انتقادات إعلامية بشأن الفارق بين الإعلان الرسمي والمضمون المصور إذ لم يظهر الشريط سوا عمليات فعلية لإزالة التربة الملوثة أو نقل النفايات الإشعاعية، بينما اقتصر النشاط الظاهر على تثبيت ألواح شمسية واستعمال أجهزة قياس وحواسيب وطائرة مسيرة صغيرة.

 

كما ظهرت الرافعات والآليات الثقيلة متوقفة خلال المقاطع المنشورة، دون مشاهد توثق استخدامها في عمليات الرفع أو نقل المواد الملوثة، ما يطرح تساؤلات بشأن المرحلة التي بلغتها الأشغال عند تصوير المادة.

 

وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت رسميا إطلاق العملية الثانية، تحت إشرافها وبالتنسيق مع الوكالة الوطنية المكلفة بإعادة تأهيل مواقع التجارب والتفجيرات النووية الفرنسية، مؤكدة تعبئة كفاءات وطنية ووسائل مادية لتنفيذ الأشغال وفق معايير السلامة الوطنية والدولية.

 

وأوضحت الوزارة أن التدخل يشمل تحديد المناطق الملوثة إشعاعيا، وجمع النفايات النووية وتخزينها داخل حاويات خرسانية مخصصة لهذا الغرض، كما اتهمت فرنسا بعدم تسليم الوثائق والخرائط المتعلقة بمواقع دفن المخلفات الإشعاعية.

 

لكن البيان لم يقدم حصيلة رقمية للمواد المعالجة، أو جدولا زمنيا محددا لاستكمال الأشغال، أو نتائج قياسات إشعاعية قبل التدخل وبعده، وهي عناصر ضرورية لتقييم مدى تقدم عملية بهذه الحساسية البيئية والصحية.

 

وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن الإعلان الجديد يأتي بعد عملية أولى للتطهير الجزئي أعلن عنها خلال فبراير الماضي، دون نشر حصيلة تفصيلية تسمح بتحديد ما أُنجز في المرحلة السابقة وما ستضيفه المرحلة الثانية.

 

وتعيد هذه التطورات فتح ملف التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية، الذي لا يزال يثير جدلا تاريخيا وسياسيا، خصوصا بشأن المسؤوليات المتعلقة باستمرار التجارب بعد استقلال الجزائر سنة 1962.

 

فبحسب وثائق برلمانية فرنسية أجرت باريس 17 تجربة نووية بين سنتي 1960 و1966، منها أربع تجارب جوية بمنطقة رقان و13 تجربة تحت الأرض بمنطقة إن إيكر، نفذت 11 منها بعد استقلال الجزائر.

 

وسمح اتفاق إيفيان لسنة 1962 باستمرار استخدام فرنسا بعض المنشآت العسكرية ومواقع التجارب لفترة انتقالية، وهي حقيقة تاريخية تطرح أسئلة بشأن الترتيبات السياسية التي سمحت باستمرار الأنشطة النووية، دون أن تلغي مسؤولية فرنسا عن تنفيذها وتداعياتها البيئية والصحية.

 

أما تجربة “بيريل” نفسها فقد أُجريت في فاتح ماي 1962، أي قبل الاستقلال الرسمي وشهدت خللا في احتواء الانفجار أدى إلى تسرب مواد مشعة خارج النفق، وفق تقارير علمية وبرلمانية فرنسية.

 

ولا تتعلق خطورة هذا الإرث بالإعلانات الحكومية وحدها، إذ سبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن أجرت تقييما إشعاعيا للمواقع السابقة، كما وثقت دراسات مستقلة استمرار وجود مخلفات تستدعي المراقبة وتدابير الوقاية والمعالجة.

 

وفي سياق متصل أعادت الانتقادات الموجهة إلى شريط “بيريل” النقاش حول طريقة التواصل الرسمي بشأن المشاريع الكبرى في الجزائر، ومن بينها مشروع غار جبيلات لاستخراج خام الحديد، الذي رافقته تغطية إعلامية واسعة عقب تدشين الخط السككي الرابط بين بشار وتندوف والمنجم مطلع السنة الجارية.

 

ورغم إعلان السلطات الجزائرية نقل شحنات أولى من الخام، فإن تقييم المردودية الاقتصادية للمشروع يستدعي معطيات منتظمة بشأن الإنتاج الفعلي والكميات المعالجة والمداخيل وتكاليف التشغيل، وليس الاقتصار على مشاهد التدشين والرحلات الافتتاحية.

 

وكانت وكالة الأنباء الجزائرية قد أعلنت نقل شحنة أولى تبلغ 1450 طنا في 27 يناير 2026، وهو ما يؤكد وجود نشاط نقل أولي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات بلوغ المنجم مرحلة إنتاج صناعي مستقر وفق الأهداف المعلنة.

 

وتكتسب مسألة الشفافية أهمية إضافية عقب الحكم الصادر في 15 أكتوبر الماضي بالسجن أربع سنوات في حق الأكاديمي الجزائري جلول سلامة، على خلفية تصريحات شكك فيها في الجدوى الاقتصادية لمشروع غار جبيلات، في قضية أثارت تساؤلات بشأن مساحة النقاش العمومي حول المشاريع الحكومية.

 

وهكذا فإن الجدل بشأن تطهير موقع “بيريل” لا ينحصر في جودة المادة التلفزيونية أو توقيت بثها، بل يرتبط بمدى استعداد السلطات الجزائرية لإخضاع مشاريعها المعلنة للتقييم العلمي والمحاسبة على أساس نتائج قابلة للقياس.

 

فالتطهير الإشعاعي لا تثبته اللافتات والمشاهد الاحتفالية، وإنما تحدده المساحات المؤمنة، وكميات النفايات التي جمعت وعولجت، ومستويات الإشعاع التي سُجلت، ومدى انخفاض المخاطر على السكان والبيئة.

 

وبين الإعلان الرسمي والأسئلة التي يثيرها غياب الحصيلة التقنية، يبقى الاختبار الحقيقي أمام السلطات الجزائرية هو الانتقال من توثيق انطلاق العمليات إلى نشر نتائجها بصورة شفافة، بما يسمح بالتمييز بين الأشغال الميدانية المنجزة والصورة الإعلامية المصاحبة لها.

الاخبار العاجلة