العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
أثار مشروع القرار الأمريكي الجديد بشأن الصحراء المغربية تصعيدا من جبهة البوليساريو، التي لوحت بالانسحاب من العملية السياسية الأممية إذا اعتمد مجلس الأمن المسودة بصيغتها الحالية، في وقت تضع فيه المقترحات الأمريكية الجزائر الداعم الرئيسي للجبهة، أمام اختبار دبلوماسي بشأن مستقبل المفاوضات ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
تأتي هذه التطورات بعدما وزعت واشنطن بصفتها الجهة المكلفة بصياغة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء، مسودة أولية تتضمن تعديلات على المرجعية السياسية للمفاوضات ومستقبل بعثة الأمم المتحدة “المينورسو”، في تحول يتجاوز الصيغة التقليدية لتجديد ولايتها.
وبحسب المضامين التي أوردتها تقارير إعلامية اطلعت على الوثيقة تقترح واشنطن اعتبار الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد القابل للتطبيق، مع اعتماد المقترح المغربي الموسع والمحين أساسا للمفاوضات المقبلة.
كما تتضمن المسودة إنهاء ولاية المينورسو بصفتها عملية لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر، إلى جانب مراجعة تسميتها ومهامها وتقليص حضورها الميداني تدريجيا.
تقترح الوثيقة أيضا تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من استكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف بصورة مستقلة، وهو ملف ظل محل خلاف بين المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو.
وفي أول رد على المشروع وجه ممثل البوليساريو لدى الأمم المتحدة سيدي محمد عمار، رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن بتاريخ 22 أكتوبر، اعتبر فيها أن المسودة الأمريكية تتبنى الموقفين المغربي والأمريكي، وتبتعد عن المرجعيات التي تتمسك بها الجبهة بشأن تقرير المصير.
ذهبت الجبهة إلى التهديد بالانسحاب من العملية السياسية برمتها إذا اعتمد المجلس المشروع دون إدخال تعديلات جوهرية عليه، في محاولة للتأثير في مسار المشاورات التي تسبق التصويت النهائي.
غير أن هذا التهديد يطرح تساؤلات بشأن جدواه، خصوصا أن الانسحاب من المفاوضات لا يعني بالضرورة تعطيل عمل مجلس الأمن أو وقف اعتماد قراراته، بل قد يقلص قدرة الجبهة على التأثير في تفاصيل التسوية المطروحة.
وفي هذا السياق اعتبر احد القيادين العسكرين السابقين في جبهة البوليساريو، أن التلويح بالانسحاب “لن يغير من مجريات الواقع شيئاً” مستحضراً إعلان الجبهة سنة 2020 تخليها عن الالتزام بوقف إطلاق النار وما أعقب ذلك من تطورات سياسية ودبلوماسية.
وأوضح القيادي أن المسودة الأمريكية تتضمن تغييرات جوهرية تمس المرجعية التفاوضية ومهام المينورسو، معتبرا أن رفضها أو الانسحاب من المسار الأممي لن يمنح الجبهة أوراق ضغط جديدة.
وأشار إلى أن أهمية المشروع تكمن في تركيزه على القرار 2797، والدفع نحو حصر المفاوضات في مقترح الحكم الذاتي، إلى جانب مراجعة دور البعثة الأممية والتعامل المباشر مع سكان مخيمات تندوف في ما يتعلق بالتسجيل والحلول الدائمة.
ومع ذلك يظل التمييز ضروريا بين انسحاب الجبهة من ترتيبات وقف إطلاق النار سنة 2020 وبين تهديدها الحالي بمغادرة العملية السياسية؛ فالأول يرتبط بالوضع الأمني والميداني، بينما يستهدف الثاني آلية التفاوض نفسها.
ولا تقف تداعيات المشروع الأمريكي عند حدود موقف البوليساريو، إذ يضع الجزائر أمام تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع مقاربة تقودها واشنطن، وتمنح مبادرة الحكم الذاتي المغربية موقعاً أكثر تحديدا في مسار التسوية.
فالجزائر التي تتمسك بدعم البوليساريو وخيار الاستفتاء، تجد نفسها أمام مشروع أمريكي يقترح إعادة توجيه المفاوضات نحو مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بما يشمل المؤسسات والصلاحيات والضمانات المرتبطة بتنفيذه.
وتزداد حساسية هذا الوضع بالنظر إلى الدور الأمريكي المباشر في المفاوضات التي احتضنتها واشنطن ومدريد خلال السنة الجارية، فضلا عن الدعم الفرنسي للمبادرة المغربية، ما يجعل النقاش بشأن المسودة مرتبطا بمواقف قوى دائمة العضوية في مجلس الأمن.
يتمثل التحدي المطروح أمام الجزائر في الاختيار بين مواصلة الاعتراض على المرجعية المقترحة ومحاولة تعديلها عبر القنوات الدبلوماسية، أو الانخراط في مفاوضات تركز على تفاصيل تسوية لا تتوافق مع موقفها التقليدي.
تكتسب المسودة أهميتها أيضا من ارتباطها بالتحولات التي أعقبت قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي منح المبادرة المغربية للحكم الذاتي موقعا مركزيا في العملية السياسية، مع استمرار الدعوة إلى التوصل إلى تسوية متفاوض عليها.
وتسعى الصياغة الأمريكية الجديدة وفق المضامين المتداولة إلى الذهاب أبعد من ذلك، من خلال اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد القابل للتطبيق، وإعادة تقييم وظيفة المينورسو بما يتناسب مع هذا التوجه.
كما تتضمن المسودة بحسب التقارير المنشورة، إدانة الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في ماي الماضي، في إشارة إلى إدراج التطورات الأمنية الميدانية ضمن النقاش بشأن مستقبل الوجود الأممي بالمنطقة.
يعكس الجمع بين هذه المقتضيات توجها أمريكيا مقترحا نحو ربط مستقبل البعثة الأممية بتقدم العملية السياسية، بدلا من الاستمرار في تجديد ولايتها دون تغيير جوهري في طبيعة مهامها.
وفي هذا الإطار لا يمنح التهديد بالانسحاب من المفاوضات الجبهة حق تعطيل قرارات مجلس الأمن، لكنه قد يزيد صعوبة تنفيذ أي ترتيبات سياسية تتطلب تعاون الأطراف المعنية.
ومع اقتراب موعد التصويت على القرار الجديد، تتجه الأنظار إلى مدى احتفاظ المسودة الأمريكية بمقتضياتها الأساسية، خصوصا ما يتعلق بحصرية الحكم الذاتي في المفاوضات، وإعادة هيكلة المينورسو وتسجيل سكان مخيمات تندوف.
وبين التهديد بالانسحاب ومحاولات التأثير في الصيغة النهائية، يظل الاختبار الأساسي مرتبطا بقدرة مجلس الأمن على اعتماد قرار يوضح مستقبل العملية السياسية ومهام المينورسو، ويحدد ما إذا كانت مفاوضات المرحلة المقبلة ستنتقل فعليا إلى مناقشة ترتيبات الحكم الذاتي المغربي وضمانات تطبيقه.











