مسودة القرار الأمريكي تضع البوليساريو أمام اختبار الحقيقة.. نصف قرن من الانتظار ومخيمات تندوف تدفع ثمن الوعود المؤجلة

مدير الموقع22 أكتوبر 2026
مسودة القرار الأمريكي تضع البوليساريو أمام اختبار الحقيقة.. نصف قرن من الانتظار ومخيمات تندوف تدفع ثمن الوعود المؤجلة

العيون الآن 

ملعين الحافظ _ العيون 

لم تعد المعضلة الحقيقية لجبهة البوليساريو تكمن فقط في تعثر مشروعها السياسي، بل في وجود من لا يزال يبرر هذا التعثر، ويدافع عن حصيلة أكثر من خمسة عقود من الانتظار، وكأن الزمن لم يمض، وكأن أجيالا كاملة لم تولد وتكبر داخل مخيمات تندوف وهي تسمع الوعود نفسها عن التحرير والعودة وتقرير المصير. واليوم، تفرض المسودة الأولية المسربة لمشروع قرار أمريكي بشأن الصحراء، والمتعلقة بمستقبل بعثة المينورسو، نقاشا يتجاوز الحسابات الدبلوماسية إلى مساءلة عميقة لقيادة الجبهة عن مآلات مشروعها. فبحسب النص المتداول، تقترح واشنطن إعادة تسمية البعثة الأممية لتصبح بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية، وإنهاء ولايتها كعملية لحفظ السلام في 30 أبريل 2027، ثم مواصلة عملها بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر.

كما تتضمن المسودة توجها نحو تقليص المكون العسكري، وتعزيز المسار السياسي، واعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث أساسا وحيدا للتفاوض، مع وصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق. وإذا جرى اعتماد هذه المقتضيات بصيغتها الحالية، فإنها ستشكل تحولا مهما في مقاربة تدبير النزاع الأممي، لكنها تظل، إلى حين صدور القرار الرسمي، مقترحات واردة في مسودة قابلة للتعديل وليست مقررات نهائية لمجلس الأمن.

وفي قلب هذا التحول المحتمل، تبرز المأساة الإنسانية لسكان مخيمات تندوف، الذين دفعوا طوال عقود كلفة صراع مفتعل لم يختار كثير منهم ظروفه ولا يملكون منفردين مفاتيح إنهائه. فبينما تتواصل المساعدات الإنسانية وتستمر الدعوات الدولية إلى إيجاد حل سياسي، تتطلع أجيال من الصحراويين إلى حياة طبيعية، تتيح لهم فرص العمل والتنقل والتعليم وبناء المستقبل بعيدا عن الانتظار المفتوح. والأكثر إثارة للانتباه أن المسودة الأمريكية المتداولة تدعو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استكمال تسجيل السكان في منطقة تندوف خلال ستة أشهر، وفق المعايير الدولية، مع ضمان الوصول دون عوائق وحرية الحركة، كما تربط التمويل الدولي المستمر بضرورة التوجه نحو حلول فردية وطوعية ودائمة. وهذه المقتضيات، إذا استقرت في النص النهائي، ستعيد طرح أسئلة جوهرية بشأن أوضاع اللاجئين، وحقوقهم، واحتياجاتهم، ومستقبلهم، ومدى قدرتهم على التعبير عن خياراتهم بحرية. فهل يعقل أن يستمر جيل آخر في المخيمات في انتظار حل لا يعرف متى يأتي؟ وهل يجوز أن تتحول معاناة الإنسان الصحراوي إلى واقع مزمن، بينما تتجدد الخطابات السياسية من دون أن تقدم للسكان أفقا واضحا للخروج من دائرة الانتظار؟

لكن السؤال الأكثر إحراجا يظل موجها إلى قيادة البوليساريو وإلى أولئك الذين يتحدثون باسمها من الخارج، ولا سيما بعض الأصوات المقيمة في إسبانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، ممن يواصلون تمجيد نضالات القيادة والدفاع عن مواقفها وخياراتها السياسية. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في وطنية كل صحراوي يعيش خارج المخيمات، ولا باعتبار الجنسية الإسبانية أو الفرنسية دليلا على ازدواجية المواقف، وإنما بمساءلة التفاوت بين من يعيشون يوميا تبعات الأزمة، ومن يكتفون أحيانا بالتنظير لها من مسافة آمنة. لماذا تبدو بعض الأصوات في الخارج أكثر حماسة للدفاع عن حصيلة القيادة من أولئك الذين يعيشون داخل المخيمات؟ ولماذا لا نسمع بالقدر نفسه أصوات الشباب الذين يطالبون بمستقبل مختلف، والأسر التي أنهكها الانتظار، والنساء اللواتي تحملن أعباء الفقد والحرمان، وكل من يريد أن يعرف إلى أين تتجه القضية؟ إن الصمت الذي قد يطبع حياة بعض السكان لا يمكن اعتباره دليلا تلقائيا على الرضا، كما أن المواقف الصادرة من الخارج لا يمكن اعتبارها جميعا منفصلة عن واقع المخيمات. لكن من حق الصحراويين أن يطالبوا بفضاء أوسع للنقاش والمساءلة، وأن يسألوا قيادة الجبهة عن حصيلة قراراتها، وعن كلفة استمرار النهج نفسه، وعن الضمانات التي تقدمها للأجيال المقبلة بدل مطالبتها بمزيد من الصبر والتضحيات.

والأخطر أن المسودة الأمريكية، وفق الصيغة المتداولة، لا تكتفي بتغيير محتمل في اسم البعثة الأممية وطبيعة مهامها، بل تتحدث أيضا عن التشاور مع شرائح واسعة من الصحراويين، بما في ذلك الموجودون خارج أطراف التفاوض، داخل الإقليم وفي مخيمات تندوف والخارج، وإدراج خلاصات هذه المشاورات في تقارير الأمين العام. كما تتضمن دعوة الأطراف إلى الانخراط البناء في المفاوضات، وتحذيرا من إمكان النظر في تدابير إضافية إذا فشلت في ذلك. وتحمل هذه المقتضيات دلالة سياسية مهمة: فمستقبل الصحراء المغربية لا ينبغي أن يبقى رهينة خطابات متصلبة أو حسابات قيادية مغلقة، بل يحتاج إلى مقاربة تضع الإنسان الصحراوي في صلب الحل، وتمنحه مكانته في النقاش حول مستقبله. وإذا كانت قيادة البوليساريو تعتبر نفسها ممثلا لسكان المخيمات فإن مسؤوليتها تقتضي الاستماع إليهم، وتقديم حصيلة واضحة لما تحقق، وقبول الأسئلة الصعبة بشأن أسباب استمرار النزاع. فليس من المنطقي أن تظل تضحيات الأجيال السابقة مبررا لطلب تضحيات جديدة بلا أفق محدد، ولا أن يتحول كل نقاش في البدائل السياسية إلى مناسبة للتخوين أو التشكيك في النوايا. إن احترام السكان يبدأ بالاعتراف بحقهم في معرفة الخيارات المتاحة أمامهم، وفي مناقشة جدوى المسارات المتبعة، وفي المطالبة بحلول واقعية تحفظ كرامتهم وحقوقهم ومستقبل أبنائهم.

وبعد أكثر من نصف قرن من المعاناة، آن الأوان لطرح السؤال الذي طالما تهرب منه المدافعون عن حصيلتها: ماذا تحقق فعليا للإنسان الصحراوي داخل مخيمات لحمادة القاحلة، وماذا بقي من الوعود التي رافقت تأسيس الحركة المتصدعة؟ أين التقييم المستقل لتجربة امتدت لعقود، وأين المساءلة عن الخيارات السياسية التي أبقت آلاف الأسر في انتظار حل نهائي؟ وأين أصوات تم اسكاتها بالمرة داخل معتقلات الرشيد والذهبيبة ، أين أرامل من قضوا والشباب الذين لم يعرفوا من القضية سوى امتداد المعاناة؟

المطلوب ليس استغلال آلام هؤلاء أو التحدث باسمهم دون شهاداتهم، وإنما فتح المجال أمامهم ليقولوا كلمتهم بحرية، بعيدا عن الضغط والتخوين والاصطفاف الإجباري. إن المسودة الأمريكية المتداولة ليست حكما نهائيا على القضية لكن ستبقى اساس وهريكة تبحث عن انهاء معاناة نصف قرن من الاستغلال، مع انها تفتح نافذة جديدة لمساءلة الخيارات السياسية المطروحة، وتفرض على قيادة البوليساريو أن تتعامل مع التحولات بجدية، لا بالشعارات وحدها.

فبينما يناقش الفاعلون الدوليون ترتيبات المرحلة المقبلة، يبقى الخطر الحقيقي أن يدخل سكان المخيمات نصف قرن آخر من الانتظار، وأن تستمر معاناتهم فيما يواصل بعض المدافعين عن القيادة الاحتفاء بمواقف لا يرون هم أنفسهم كلفتها اليومية. إن التحرير لا يمكن أن يكون وعدا مؤجلا إلى الأبد، والنضال لا يعفي أي قيادة من المحاسبة، والقضية التي يُقال إنها من أجل الإنسان لا يجوز أن يصبح الإنسان فيها آخر من يُسأل عن رأيه. وبعد 53 عاما، لم يعد السؤال فقط ماذا قدم العالم للقضية، بل ماذا قدمت قيادة المرادية للصحراويين، وهل تملك الشجاعة للاعتراف بما أخفقت فيه، وفتح الطريق أمام حل واقعي “حكم ذاتي حقيقي” يضع حدا لمعاناة أجيال لا ينبغي أن تحرم من حقها في حياة كريمة ومستقبل واضح.

 

الاخبار العاجلة