العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
شهد مجلس النواب اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 نقاشا سياسيا واسعا حول البرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، حيث دافعت فرق الأغلبية عن توجهاته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، باعتبارها أرضية لإصلاحات المرحلة المقبلة، في مقابل انتقادات وجهتها المعارضة إلى واقعية الالتزامات، ومصادر تمويلها، ومدى قدرة الحكومة على ترجمتها إلى نتائج ملموسة في الحياة اليومية للمواطنين.
جاءت المداخلات خلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 في إطار المسطرة الدستورية لتنصيب الحكومة، وقبل الجلسة المسائية المقررة لجواب رئيسة الحكومة والتصويت على البرنامج، وفق مقتضيات الفصل 88 من الدستور.
عكست المناقشات تباينا في قراءة المرحلة السياسية الجديدة؛ فبينما ركزت الأغلبية على الانسجام البرنامجي والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين أداء المرافق العمومية، وضعت المعارضة الحكومة أمام أسئلة تتعلق بضعف المؤشرات التفصيلية، واستمرارية الاختلالات السابقة، والضمانات اللازمة للوفاء بالتعهدات الانتخابية.
استهل فريق الأصالة والمعاصرة أكبر مكونات الأغلبية الحكومية دفاعه عن البرنامج من زاوية بناء الدولة الاجتماعية، حيث اعتبر رئيسه هشام الصابري أن هذا التوجه لا ينبغي اختزاله في إعادة توزيع الموارد، بل يمثل مشروعا لتعزيز التضامن والتماسك بين المواطنين والمجالات الترابية والأجيال.
وشدد الصابري على ضرورة تحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، مؤكدا أن السوق رغم دوره في الإنتاج والتبادل، لا يمكن أن يكون بديلا عن الاختيار الديمقراطي ومسؤولية الدولة في ضمان الحقوق الأساسية وتوجيه الاختيارات الاقتصادية الكبرى نحو المصلحة العامة.
وفي الجانب المؤسساتي وضع رئيس فريق “البام” تخليق الحياة العامة ضمن الأولويات التشريعية، داعيا إلى استكمال الإطار القانوني لتجريم الإثراء غير المشروع، واعتماد تشريع خاص للوقاية من تضارب المصالح وزجر مخالفاته، إلى جانب مراجعة منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات.
واعتبر أن الإصلاح المطلوب ينبغي أن ينقل التصريح بالممتلكات من مجرد إجراء شكلي إلى آلية فعلية للمراقبة والتحقق، بالاستفادة من الرقمنة وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية.
وبذلك وضع الفريق الذي يقود الأغلبية الحكومية مسألة الانتقال من الإقرار الدستوري لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى تفعيله التشريعي والمؤسساتي في قلب التزاماته للمرحلة المقبلة.
ومن جهته اعتبر الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية على لسان رئيسه رحال المكاوي أن البرنامج الحكومي يمثل ثمرة توافق بين البرامج الانتخابية للأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية، ويقوم على جعل النجاعة العمومية وقياس الأثر المباشر للسياسات معيارا لتقييم الأداء الحكومي.
وأبرز المكاوي جملة من الإجراءات التي يتبناها حزب الاستقلال، خصوصا تلك المرتبطة بحماية القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، ومحاربة الفساد والريع، وتحسين خدمات المرافق العمومية وتعزيز السيادة الاستراتيجية.
وتوقف عند التدابير المرتقبة لضبط أسواق الجملة وإحداث منظومة جهوية لتسويق المواد الغذائية، إلى جانب تخفيف الأعباء الضريبية عن الأجراء، والتعويض الاجتماعي المرتبط بفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم شهريا بالنسبة للمسكن الرئيسي.
كما ثمن التزام الحكومة بتعزيز حضور الأمازيغية في المؤسسات العمومية، من خلال إحداث صندوق خاص لتفعيل طابعها الرسمي باعتماد مالي قدره مليارا درهم، فضلا عن المبادرات المتعلقة بالمغاربة المقيمين بالخارج، ومن بينها إصلاح مؤسسات تمثيلهم وإحداث آليات لتيسير استثماراتهم.
غير أن مداخلة الفريق الاستقلالي لم تقتصر على الدفاع عن البرنامج، إذ أثار المكاوي انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى 38 في المائة، معتبرا أن هذا المعطى يستدعي بحث أسبابه والإنصات إلى المواطنين الذين ابتعدوا عن صناديق الاقتراع، والعمل على استعادة الثقة عبر التزامات واضحة وقابلة للقياس.
أما فريق التقدم والاشتراكية فقد ركز على خلفيات قرار الحزب الانتقال من المعارضة إلى المشاركة الحكومية، حيث أوضح رئيسه أحمد العبادي أن هذا الاختيار جاء بعد نقاش داخلي معمق وتقييم لطبيعة المرحلة والتحديات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة.
وأكد العبادي أن المشاركة تستند إلى رغبة الحزب في المساهمة في الإصلاح من داخل المؤسسات التنفيذية، مشيراً إلى أن التجاوب الذي سجلته قيادة الحزب خلال المشاورات مع المنصوري شكل عاملا أساسيا في اتخاذ القرار.
وشدد على أن نجاح التجربة الجديدة سيقاس بقدرتها على تعزيز الثقة بالمؤسسات، والاستجابة للمطالب الاجتماعية، وتحويل التوجهات المعلنة إلى إجراءات فعلية وليس بمجرد إعلان الالتزامات.
وفي الاتجاه ذاته أكد الحسن لشكر رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، أن انتقال الاتحاد الاشتراكي من المعارضة إلى الأغلبية لا يعني التخلي عن المطالب التي دافع عنها خلال الولاية السابقة، ولا التنازل عن مسؤولية الرقابة البرلمانية.
وربط لشكر نجاح البرنامج الحكومي بمدى انعكاسه على أسعار المواد الأساسية والخدمات الصحية والتعليمية وفرص التشغيل، مطالبا بإجراءات واضحة لمحاربة الغلاء، وضمان وصول الدعم العمومي إلى مستحقيه، وتحديد مؤشرات وآجال لقياس تنفيذ الالتزامات.
كما اعتبر أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيكون أول اختبار عملي لمدى جدية التوجهات الحكومية، بالنظر إلى دوره في تحديد الاعتمادات المالية والجدولة الزمنية لتنفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية.
في المقابل اختار فريق التجمع الوطني للأحرار الذي انتقل إلى المعارضة بعد قيادة الحكومة السابقة، مساءلة البرنامج من زاوية الاستمرارية والنجاعة وتحديد المسؤوليات السياسية.
واعتبر رئيس الفريق ياسين عوكاشة أن الحكومة الجديدة مطالبة بتوضيح القيمة المضافة التي تعتزم تقديمها مقارنة بالتجربة السابقة، مع تحديد الضمانات المالية والمؤسساتية التي تستند إليها التزاماتها، والمؤشرات التي تسمح للبرلمان بتقييم نتائجها.
واستحضر عوكاشة مؤشرات اقتصادية نسبها إلى حصيلة الحكومة السابقة، من بينها تراجع التضخم إلى أقل من واحد في المائة، وتحقيق نمو في حدود 4,6 في المائة، وتقليص عجز الميزانية إلى ثلاثة في المائة، معتبرا أن المطلوب هو الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها.
وانتقد المتحدث ما وصفه بغياب التفاصيل الكافية في البرنامج الحكومي، خصوصا ما يتعلق بالأهداف المرحلية وآجال التنفيذ ومصادر التمويل، معتبرا أن الوثيقة لم تقدم منظومة متكاملة لقياس الأداء والنتائج.
كما وجه انتقادات إلى الهندسة الحكومية، التي اعتبر أنها خضعت لحسابات توزيع المناصب، وسجل ملاحظات بشأن تمثيلية النساء، ومدى حضور البرامج الانتخابية لمختلف مكونات الأغلبية في التصور النهائي للحكومة.
وتساءل عوكاشة عن مصير بعض الوعود الانتخابية، وفي مقدمتها خفض الضريبة على الدخل، وعن أسباب تأجيل الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر إلى ألف درهم حتى نهاية الولاية الحكومية سنة 2031.
تعكس هذه الملاحظات انتقال حزب التجمع الوطني للأحرار إلى مساءلة الحكومة الجديدة على أساس المقارنة بين وعودها الانتخابية وبرنامجها الحكومي، مع الدفاع في الوقت ذاته عن الحصيلة الاقتصادية للولاية السابقة.
من جانبه قدم فريق العدالة والتنمية مداخلة اتسمت بانتقادات سياسية وحقوقية واسعة، حيث اعتبر رئيسه إدريس الأزمي الإدريسي أن الحكومة الجديدة تواجه اختبار الانسجام بين مكوناتها والقدرة على الوفاء بالتزاماتها.
وانتقد الأزمي التركيبة الحكومية معتبرا أنها لا تعكس وفق تقييم حزبه، تحولا سياسيا واضحا، كما أعاد إثارة ظروف تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة والعلاقة السابقة بين الحزبين، محذرا مما وصفه بالعودة إلى ممارسات الإقصاء والتحكم.
وفي الملف الانتخابي استحضر القيادي في العدالة والتنمية شبهات المخالفات التي رافقت اقتراع 23 شتنبر، خصوصا الواقعة المرتبطة بأوراق التصويت في طنجة، ووجه اتهامات سياسية بشأن استعمال المال الانتخابي والترحال الحزبي، وهي اتهامات تظل منفصلة عن النتائج التي قد تنتهي إليها المساطر القضائية المختصة.
ورغم حدة الانتقادات أكد الأزمي أن حزبه سيمنح الحكومة الوقت اللازم للعمل وأن المعارضة ستتعامل معها بمسؤولية، مع الاحتفاظ بحقها في المساءلة والانتقاد باستخدام الآليات البرلمانية والدستورية.
وفي الجانب الحقوقي دعا فريق “المصباح” إلى اتخاذ خطوات نحو الانفراج السياسي، من خلال إطلاق سراح المعتقلين على خلفية احتجاجات الحسيمة وحركة “جيل زد” إلى جانب النقيب محمد زيان، معتبرا أن معالجة هذه الملفات يمكن أن تساهم في تعزيز الثقة وتهيئة مناخ سياسي إيجابي.
كما أثار الفريق إشكالات تضارب المصالح والفساد، مرحبا من حيث المبدأ بالتعهد الحكومي بتجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز التصريح بالممتلكات، لكنه طالب بتوسيع نطاق المعالجة ليشمل المسؤوليات والمناصب السياسية، وعدم الاقتصار على الموظفين العموميين.
وتساءل الأزمي عن مدى فعالية الأموال العمومية التي خصصت سابقا لدعم القدرة الشرائية، منتقدا بعض إجراءات دعم الاستيراد والإعفاءات المرتبطة بالمنتجات الفلاحية والحيوانية، داعيا إلى توجيه دعم أكبر إلى الفلاحين والكسابة الصغار والمتوسطين.
كما حذر من أن يؤدي إحداث شركات جهوية لتجميع وتسويق المواد الغذائية إلى ظهور أشكال جديدة من التحكم في الأسواق، داعيا إلى ضمان المنافسة وحماية المستهلكين والمنتجين الصغار.
وفي السياق ذاته اعتبر عبد الله بوانو عضو الفريق، أن البرنامج لم يمنح السياسة الخارجية والبيئة والمغاربة المقيمين بالخارج الحيز الكافي، مستندا إلى الفصل 88 من الدستور الذي يحدد المجالات الأساسية للبرنامج الحكومي.
كما طالب بتوضيح شروط تحقيق النمو الاقتصادي المستهدف، وأسس الأهداف السياحية المعلنة، وآليات استعادة القدرة الشرائية للأسر، مؤكدا أن المؤشرات الاقتصادية لا تكفي وحدها لتقييم أثر السياسات على المعيش اليومي للمواطنين.
أما الفريق الحركي فقد اختار التركيز على اختلالات الخدمات العمومية والبنيات التحتية من خلال مداخلة رئيسته ريم شباط، التي وجهت انتقادات إلى تدبير قطاعات الماء والتجهيز والنقل.
واستحضرت شباط معاناة بعض أحياء فاس ومناطق بجهة فاس مكناس من انقطاعات الماء الصالح للشرب، معتبرة أن استمرار هذه الوضعية يطرح أسئلة بشأن فعالية التدبير وجودة الخدمات الأساسية.
كما أثارت مشكلات تتعلق بجودة إصلاح الطرق واستدامة الأشغال العمومية، إلى جانب اختلالات النقل الطرقي وارتفاع أسعار بعض الرحلات الجوية الداخلية، مطالبة بمساءلة المسؤولين عن نجاعة الإنفاق العمومي وانعكاسه على حياة المواطنين.
امتدت ملاحظاتها إلى معايير اختيار المسؤولين الحكوميين، حيث دعت إلى ربط تولي المناصب بالكفاءة والاستحقاق والقدرة على معالجة الإشكالات القطاعية، بعيدا عن الحسابات الحزبية.
وفي جانب آخر من المناقشات، ركز النائب عبد العزيز باريك عن حزب الوحدة والديمقراطية، على قضايا العالم القروي، خصوصا توسيع الربط بالإنترنت، وتبسيط مساطر البناء والتعمير، وضمان استفادة سكان المناطق القروية من برامج السكن والدعم العمومي.
كما شدد على أهمية إرفاق الالتزامات الحكومية المتعلقة بمحاربة الفساد بإجراءات قانونية ومؤسساتية واضحة، معتبرا أن الحكم على البرنامج ينبغي أن يرتبط بمدى قابليته للتنفيذ وليس بحجم التعهدات المعلنة.
تكشف مداخلات الفرق البرلمانية أن الخلاف بين الأغلبية والمعارضة لا يتعلق دائما بطبيعة القضايا المطروحة، بقدر ما يرتبط بتقييم السياسات السابقة، ودرجة الثقة في الإجراءات المقترحة والمسؤولية السياسية عن تنفيذها.
فمحاربة الفساد وتضارب المصالح وتحسين القدرة الشرائية، وتطوير خدمات الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، حضرت في مداخلات مختلف الأطراف، وإن من زوايا مختلفة؛ إذ قدمتها الأغلبية بوصفها أولويات إصلاحية ضمن البرنامج الجديد، فيما تعاملت معها المعارضة باعتبارها التزامات تستوجب ضمانات وآليات واضحة للمراقبة والمحاسبة.
كما برز موضوع استعادة الثقة في العمل السياسي من خلال إثارة نسبة المشاركة الانتخابية من داخل الأغلبية، والمطالبة بالانفراج الحقوقي واحترام التوازن المؤسساتي من مواقع سياسية مختلفة.
لكن أحد أبرز خطوط التباين يتعلق بالمسؤولية عن حصيلة المرحلة السابقة؛ فالتجمع الوطني للأحرار دافع عن المؤشرات الاقتصادية التي تحققت خلال قيادته الحكومة، بينما انتقد العدالة والتنمية جوانب من تلك الحصيلة، ووضع أحزاب الأغلبية الحالية أمام سؤال مدى قدرتها على تنفيذ إصلاحات سبق أن طالبت بها أو شاركت في تدبير قطاعات مرتبطة بها.
أما على المستوى المؤسساتي فتتجه الأنظار إلى مشروع قانون المالية لسنة 2027 باعتباره أول محطة تشريعية ومالية لاختبار التزامات الحكومة، من خلال ما سيخصصه من اعتمادات للتشغيل والدعم الاجتماعي والخدمات العمومية والاستثمار والتنمية الترابية.
وبذلك أظهرت أول مواجهة برلمانية حول برنامج حكومة المنصوري أن الرهان السياسي للمرحلة المقبلة لا يقف عند حدود إقرار توجهات اقتصادية واجتماعية مشتركة، بل يمتد إلى تحديد وسائل تنفيذها وآجالها وكلفتها المالية، ومدى قدرة البرلمان، بأغلبيته ومعارضته، على تتبع نتائجها ومساءلة الحكومة بشأن الوفاء بالتزاماتها.











