العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
في الوقت الذي يتزايد فيه النقاش داخل إسبانيا حول مستقبل سبتة ومليلية والعلاقات مع المغرب، تتوالى من الرباط مواقف سياسية تعيد التأكيد على ثوابت المملكة تجاه المدينتين، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن خيار الحوار مع مدريد.
في أحدث هذه المواقف أكد نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، خلال لقاء حزبي بالرباط، أن المغرب “لن يتراجع عن أي شبر من التراب الوطني”، مجددا التأكيد على تمسك المملكة بوحدتها الترابية.
وفي حديثه عن العلاقة مع إسبانيا وصف بركة مدريد بأنها “شريك استراتيجي” للمغرب، لكنه شدد على أن هذه الشراكة لا تعن التراجع عن الثوابت المرتبطة بالتراب الوطني، مستحضرا في هذا السياق التطورات التي أعقبت أزمة سبتة الأخيرة والتوتر الذي رافقها في الجانب الإسباني.
تصريح بركة يأتي في سياق مواقف مغربية متقاربة زمنيا أعادت سبتة ومليلية إلى النقاش السياسي. فخلال شهر غشت أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في مناسبتين، أن المدينتين “أراض مغربية”، وأن للمملكة “حقا تاريخيا وجغرافيا” فيهما، معلنا استمرار الرباط في المطالبة باسترجاعهما.
وفي الوقت نفسه أكد وهبي أن الحوار مع مدريد هو الطريق الذي اختاره المغرب لمعالجة هذا الملف، بما يجعل الموقف المغربي قائما على التمسك بالمطالبة بالمدينتين مع استمرار اعتماد القنوات السياسية والدبلوماسية.
وقبل ذلك وفي 24 غشت الماضي، حضرت سبتة في كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أمام الملك محمد السادس، خلال حفل إحياء ليلة المولد النبوي، حيث استحضرت المدينة ضمن التاريخ العلمي والسياسي المغربي، إلى جانب الحديث عن تعبئة المغاربة تاريخيا من أجل “تحرير الأراضي المحتلة”.
ورغم أن الأمر لا يتعلق بتصريح ملكي مباشر فإن إلقاء الكلمة بين يدي الملك منحها، وفق هذا السياق، ثقلا رمزيا وسياسيا لافتا خصوصا أن الملك وفق الدستور هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى، كما يضطلع بأدوار أساسية في العلاقات الخارجية والمعاهدات الدولية.
تضع هذه التصريحات الموقفين المغربي والإسباني في صورة أكثر وضوحا. فالمغرب يعتبر سبتة ومليلية جزءا من ترابه، ويتمسك بمطالبته بهما استنادا إلى اعتبارات التاريخ والجغرافيا، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها على المدينتين وتعتبرهما مدينتين إسبانيتين.
وتعود السيطرة الأوروبية على سبتة إلى الاحتلال البرتغالي سنة 1415، قبل أن تستقر السيادة الإسبانية عليها لاحقا، في حين احتلت إسبانيا مليلية سنة 1497.
وتستند مدريد إلى هذه الوقائع في تكريس الوضع القائم منذ قرون، بينما يرى المغرب في المدينتين امتدادا جغرافيا وتاريخيا للتراب المغربي.
وبينما تتصاعد داخل إسبانيا الضغوط السياسية والتصريحات الحكومية والمظاهرات والنقاش الإعلامي بشأن سبتة والعلاقة مع المغرب اختارت الرباط، على المستوى الرسمي، عدم الدخول في سجال يومي مع مختلف المواقف الصادرة من الجانب الإسباني.
ويعكس هذا النهج توجها يقوم على اعتبار جزء كبير من الجدل الدائر في إسبانيا شأنا سياسيا وإعلاميا داخلياً خصوصا أن الموقف المغربي أصبح معلنا عبر أكثر من مسؤول.
وهذا الموقف، في جوهره، يقوم على ثلاث نقاط واضحة: لا تنازل عن المطالبة بسبتة ومليلية، تمسك بالوحدة الترابية، واستمرار الحوار السياسي والدبلوماسي مع مدريد باعتباره الوسيلة المطروحة لمعالجة الخلاف.
وبذلك، لا يبدو أن عودة المدينتين إلى الخطاب السياسي المغربي تعني بالضرورة الانتقال إلى مواجهة مباشرة مع إسبانيا، بقدر ما تعكس إعادة تأكيد موقف ظل قائما بالتوازي مع الحفاظ على علاقة تصفها الرباط نفسها بأنها استراتيجية.











