العيون الآن.
لبرص ابراهيم : العيون
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد القصص الشخصية تبقى شخصية. قصة واحدة قد تتحول خلال ساعات إلى قضية رأي عام، خصوصا عندما ترتبط بالهجرة والاضطهاد والوطن والأسرة.
هذا ما حدث مع قصة مهاجرة مغربية غير نظامية ظهرت مؤخرا في مادة إعلامية لصحيفة «إل باييس» الإسبانية، وقدمت فيها رواية عن ظروفها العائلية والاجتماعية. وبعد انتشار القصة، أعاد مستخدمون تداول صور ومقاطع قديمة منسوبة إليها، من بينها ما يوثق سفرها إلى عدد من البلدان وحضورها في قطر خلال مونديال 2022 لمتابعة المنتخب المغربي.
هذه المعطيات خلقت نقاشا حول الفرق بين الصورة التي تظهر على مواقع التواصل وبين الرواية التي تقدم لاحقا عن الحياة الشخصية.
لكن الإنصاف يقتضي التوقف هنا: المقاطع القديمة لا تثبت وحدها أن رواية الشخص خاطئة، كما أن رواية الشخص لا تكفي وحدها لتعميم تجربته على مجتمع كامل.
القصة الشخصية ليست صورة عن وطن
من حق أي إنسان أن يتحدث عن معاناته، وأن يختلف مع أسرته، وأن يبحث عن حياة أفضل، وأن يختار الهجرة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول تجربة فردية إلى حكم على ملايين الناس.
فوجود مشاكل داخل أسرة معينة لا يعني أن المجتمع كله يعيش الظروف نفسها، وتجربة شخص مع محيطه لا يمكن تقديمها باعتبارها صورة شاملة عن بلد بأكمله.
لهذا، فإن التعامل مع مثل هذه القصص يحتاج إلى التمييز بين الوقائع المثبتة والروايات الشخصية والانطباعات.
أرشيف الإنترنت.. شاهد يحتاج إلى سياق
مواقع التواصل أصبحت بمثابة أرشيف مفتوح. صورة نشرت قبل سنوات يمكن أن تعود اليوم لتطرح أسئلة جديدة.
لكن الصورة لا تحكي دائما القصة كاملة.
فالسفر، والابتسامة، والحضور في مناسبة، أو نشر مقطع سعيد، لا يعني بالضرورة أن الشخص لم يكن يعيش في الوقت نفسه مشاكل أو ضغوطا خاصة.
لذلك، لا ينبغي تحويل مواقع التواصل إلى محكمة، كما لا ينبغي اعتبار أي رواية منشورة حقيقة نهائية دون تحقق.
الدرس الأهم
الهجرة ليست جريمة، والبحث عن مستقبل أفضل ليس عيبا، كما أن الحديث عن المعاناة حق مشروع.
لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول قصة فردية إلى وسيلة لتشويه مجتمع بأكمله، خصوصا في ظل وجود جهات قد تستغل بعض القصص الإنسانية في سياقات سياسية أو إعلامية مرتبطة بملف الهجرة.
والحل ليس في مهاجمة أصحاب القصص ولا في تصديق كل ما ينشر، وإنما في التحقق والتوازن ووضع كل رواية في سياقها.
في النهاية، قد تتغير الصور وتتعدد الروايات، لكن الحقيقة لا تحتاج إلى المبالغة حتى تقنع الناس.
فالإنصاف لا يعني الدفاع عن طرف، بل يعني الاستماع إلى الرواية، والبحث عن الأدلة، ورفض تحويل تجربة فردية إلى حكم على وطن كامل.











