العيون الآن.
يوسف بوصولة
عاد مشروع القانون الجنائي إلى واجهة النقاش السياسي والتشريعي بعد تأكيد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن هذا الورش لا يزال يواجه “خلافات كبيرة” تحول دون إحالته على البرلمان خلال الولاية التشريعية الحالية، في مؤشر على تعثر واحد من أبرز الإصلاحات القانونية المنتظرة.
جاء تصريح المسؤول الحكومي خلال جلسة الأسئلة الشفوية بـمجلس النواب حيث أقر بوجود تباينات عميقة، سواء على مستوى الرؤية أو الخلفيات، مؤكدا أن طبيعة القانون الجنائي، بحكم ارتباطه بتحولات المجتمع، تجعل من الصعب الإحاطة بكل أشكال الجريمة في ظل ما وصفه بـ”الإبداع الجنائي” الذي يفرز أنماطا متجددة بشكل يومي.
في هذا السياق أشار الوزير إلى بروز نقاشات حول إدراج جرائم جديدة ضمن مشروع القانون، من بينها هدر المياه، في ظل تنامي الرهانات المرتبطة بالموارد الطبيعية. كما تطرق إلى جرائم أخرى قيد التداول، مثل سرقة الأموال الافتراضية، والتسول، والتعذيب، لافتا إلى أن بعض الملفات المرتبطة بطلبات تسليم مجرمين من الخارج تكشف أحيانا عن أنماط إجرامية غير مسبوقة.
هذا الطرح يعكس من جهة تحولا في طبيعة الجريمة لكنه يطرح من جهة أخرى، إشكالا تشريعيا يتعلق بمدى قدرة المنظومة القانونية على مواكبة هذا التسارع، دون السقوط في تضخم نصوصي قد يصعب تنزيله عمليا.
في المقابل لم يمر هذا التأخر دون انتقادات داخل المؤسسة التشريعية، حيث اعتبرت النائبة فدوى محسن عن الفريق الحركي أن الوضع الأمني يشهد “تصاعدا مقلقا”، تجاوز الحالات المعزولة ليؤثر على الإحساس الجماعي بالأمن، محذرة من انعكاسات ذلك على الاستقرار المجتمعي.
سجلت البرلمانية أن استمرار غياب تعديل القانون الجنائي يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة الترسانة القانونية الحالية، داعية إلى تبني سياسة جنائية حديثة توازن بين الردع والإنصاف وفعالية التدخل الأمني، كما انتقدت سحب المشروع دون إعادته إلى البرلمان، رغم اقتراب نهاية الولاية التشريعية.
يضع هذا الجدل مشروع القانون الجنائي في قلب معادلة معقدة، تجمع بين الحاجة إلى تحديث النصوص القانونية لمواكبة تحولات الجريمة، وبين صعوبة التوافق السياسي والمؤسساتي حول مضامينه ما قد يؤجل هذا الإصلاح إلى ولاية تشريعية مقبلة.
في ظل هذا الوضع يبرز سؤال جوهري حول قدرة الفاعل الحكومي والتشريعي على تسريع وتيرة الإصلاح، في سياق يتسم بتزايد التحديات الأمنية وتنامي انتظارات المجتمع في ضمان الأمن وتعزيز الثقة في العدالة الجنائية.











