من مضيق هرمز إلى الصحراء المغربية… كيف تعيد أزمات الخليج رسم خريطة الطاقة لصالح الرباط؟

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

لم تعد تداعيات التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز مقتصرة على تقلبات أسعار النفط بل بدأت تعيد تشكيل الخيارات الاستراتيجية للقوى الكبرى وعلى رأسها الصين، في مجال تأمين احتياجاتها الطاقية.

 

فبحسب تقرير حديث صادر عن معهد ستيمسون، كشفت الاضطرابات التي عرفها هذا الممر البحري الحيوي، والذي تمر عبره نسبة مهمة من واردات الصين النفطية عن هشاشة الاعتماد المفرط على الخليج، خاصة مع الإغلاق الفعلي للممر منذ أواخر فبراير 2026 وما ترتب عنه من ارتفاع حاد في الأسعار وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.

 

أمام هذا الواقع سارعت بكين باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام عالميا إلى تبني مقاربة مزدوجة تقوم على تنويع مصادر الطاقة من جهة، وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة من جهة أخرى في محاولة لتقليص الارتهان للممرات البحرية الحساسة.

 

وفي خضم هذا التحول، يبرز المغرب كأحد أبرز المستفيدين مستندا إلى موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، واستقراره السياسي النسبي إضافة إلى مؤهلاته الطبيعية في مجالات الطاقة الشمسية والريحية.

 

ويؤكد التقرير أن المغرب يجسد بوضوح الرهان الصيني على التحول الطاقي الأخضر خاصة في ما يتعلق بتطوير الهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة، وبناء الشبكات الذكية، وهي محاور أساسية ضمن الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين (2026-2030)، التي باتت أكثر إلحاحا في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد التقليدية.

 

كما أن الموارد الشمسية التي تعد من بين الأفضل عالميا، إلى جانب الإطار السياسي الداعم للاستثمار، تجعل من المملكة شريكا مفضلا لتوسيع نطاق هذه التقنيات، في وقت تسعى فيه الصين إلى بناء منظومة طاقية أقل عرضة للصدمات الجيوسياسية.

 

ومنذ سنة 2025 بدأت ملامح هذا التوجه تتجسد ميدانيا، عبر إطلاق مشاريع مشتركة بمليارات الدولارات تشمل الألمنيوم الأخضر والهيدروجين الأخضر، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بمشاركة شركات صينية كبرى من قبيل State Grid وSPIC وShanghai Electric.

 

ولا يقف هذا التعاون عند حدود الاستثمار بل يتجه نحو بناء سلاسل قيمة متكاملة، تشمل التمويل والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، ما يعكس انتقال الشراكة من منطق التوريد إلى منطق التموقع الصناعي المشترك.

 

ويرى التقرير أن هذا التحول لا يمثل قطيعة بقدر ما هو تسريع لمسار قائم ضمن مبادرة الحزام والطريق، حيث توفر دول شمال إفريقيا وعلى رأسها المغرب، بديلا استراتيجيا يقلل من مخاطر الاعتماد على مضيق هرمز، ويمنح الصين في الوقت نفسه فرصا لتطوير سلاسل إمداد منخفضة الكربون.

 

وفي هذا السياق بدأت ملامح إعادة تموقع جيو اقتصادي تدريجي تضع شمال إفريقيا، إلى جانب مصر في موقع “خط دفاع ثان” لأمن الطاقة الصيني، بعدما كانت تعتبر إلى وقت قريب هامشية في الحسابات الاستراتيجية لبكين.

 

ويعزز هذا التوجه الحراك الدبلوماسي والاقتصادي بين البلدين حيث كان رئيس الحكومة عزيز أخنوش قد عقد في أكتوبر 2025 بالرباط، لقاء مع وفد اقتصادي صيني رفيع من مقاطعة آنهوي، لبحث سبل تسريع مشاريع الطاقات المتجددة في إطار توجيهات الملك محمد السادس وشي جين بينغ لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

 

وبين رهانات الأمن الطاقي الفوري وأهداف الانتقال الأخضر على المدى البعيد، يبدو أن التحولات الجارية تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية بهدوء… لكن بعمق، واضعة المغرب في قلب معادلة دولية تتشكل على إيقاع الأزمات.

Derniers articles