العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم يكن اختيار مدينة الداخلة لاحتضان أول لقاء دولي تنظمه جمعية “هيلفتيا الساحل” مجرد قرار لوجستي أو جغرافي بل يعكس تموقعا استراتيجيا واعيا ضمن التحولات التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة، ورهانا مدروسا على دور المدينة كمنصة إقليمية ودولية للتعاون جنوب جنوب وشمال جنوب.
هذا ما أكدته سعاد مومو رئيسة جمعية هيلفتيا الساحل في حوار خصت به جريدة العيون الان و laayouneinfo، حيث أوضحت أن الجمعية التي تأسست في سويسرا خلال شهر غشت الماضي تسعى إلى “خلق جسور وروابط حقيقية بين دول الساحل وسويسرا عبر بوابة الداخلة”، وذلك في انسجام مع الرؤية الملكية التي جعلت من الأقاليم الجنوبية محوراً استراتيجيا للانفتاح على العمق الإفريقي.
وترتكز استراتيجية الجمعية على أربعة محاور أساسية تشمل التكوين والتعليم والمجال الاجتماعي والتنمية المستدامة، والنقل واللوجستيك إضافة إلى الاستثمار وتحفيز المستثمرين. وهي محاور لا تشتغل بمعزل عن السياق الجيو اقتصادي للمنطقة، بل تتقاطع مع الأوراش الكبرى التي تشهدها جهة الداخلة وادي الذهب، وفي مقدمتها مشروع ميناء الداخلة الأطلسي.
وفي هذا الصدد، شددت مومو على أن الداخلة “لم تعد مجرد مدينة في أقصى الجنوب، بل أضحت مركزا حقيقيا للتنمية على المستويات الاقتصادية والسياسية والجيو استراتيجية”، مبرزة أن الموقع الجغرافي للمدينة المقابل لجزر الكناري والقريب من الواجهتين الإفريقية والأمريكية يمنحها قابلية استثنائية للعب دور بوابة عبور وتلاقي المصالح.
ويأتي هذا الرهان في ظل الاستعدادات الجارية لإطلاق أكبر ميناء في إفريقيا سنة 2028، وهو معطى اعتبرته رئيسة الجمعية عنصراً حاسما في اختيار الداخلة، باعتبارها “منطقة في طور التشكل، مليئة بالفرص، وقابلة لاستقبال مبادرات ذات بعد دولي”.
وعن تقييمها للدورة الأولى من الملتقى الدولي للتعاون في خدمة تطوير المشاريع، لم تخفِ سيدة سعاد حجم الضغط الذي رافق تنظيم أول لقاء دولي من هذا الحجم، غير أنها أكدت أن النتائج كانت “أكثر من مشجعة”، خاصة في ظل الدعم المؤسساتي الذي حظيت به المبادرة من طرف ولاية جهة الداخلة وادي الذهب، والمجلس الجهوي والمجلس الجماعي.
وأبرزت المتحدثة أن هذا الدعم لم يكن شكليا بل شمل توفير الفضاءات والمواكبة اللوجستية، والإيواء، والإطعام، إلى جانب تمكين المشاركين من زيارة ورش ميناء الداخلة الأطلسي، معتبرة أن “هذا الانخراط العملي للمؤسسات الترابية هو ما أعطى للملتقى مصداقيته”.
كما توقفت عند البعد الدولي للقاء، الذي عرف مشاركة شخصيات ووفود من دول متعددة، من بينها المملكة المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، وسويسرا، وفرنسا، والسنغال، وبوركينا فاسو، وكوت ديفوار، معتبرة أن هذا التنوع “حقق الهدف الأساسي للملتقى، وهو التعريف بالجمعية دوليا، وإبراز الداخلة كنقطة التقاء للمشاريع والأفكار”.
أما على مستوى التمويل فقد أقرت رئيسة الجمعية بأن تنظيم تظاهرة من هذا الحجم يتطلب موارد مالية مهمة، غير أن اعتماد الجمعية على الشراكات المؤسساتية والدعم الترابي، إلى جانب انخراط أعضاء الجمعية القادمين من خلفيات وجنسيات مختلفة، مكن من تجاوز الإكراهات، ووضع اللبنات الأولى لمسار تأمل الجمعية أن يتواصل في نسخ مقبلة.
ويعكس هذا المسار في المحصلة، انتقال الداخلة من فضاء للاستثمار الوطني إلى منصة للتفكير والتنسيق الدولي، حيث لم تعد المشاريع الكبرى مجرد بنى تحتية، بل رافعة لإنتاج شبكات تعاون جديدة، تشتغل على الإنسان، والتكوين، والاستثمار، والاندماج الإقليمي.
وهو ما يجعل من هذه المبادرة الجمعوية رغم حداثة عهدها، حلقة إضافية في دينامية أوسع، تقودها المملكة المغربية نحو إعادة رسم خرائط التعاون مع إفريقيا والساحل، ليس فقط عبر الدولة، بل أيضا عبر المجتمع المدني الفاعل، والمؤطر، والمندمج في الرؤية الاستراتيجية الوطنية.











