العيون الآن.
حمزة وتاسـو
ليست القضية في تهريب ولا في كمية ولا في بندقية صيد وضعت على الطاولة بعد انتهاء كل شيء، جوهر الواقعة أبسط وأقسى: ثلاثة مغاربة قتلت حياتهم بقرار ميداني، ثم جرى إلباس الفعل ثوب “العملية الأمنية الناجحة”، هنا لا نتحدث عن إنفاذ قانون، بل عن إنهاء وجود، وعن دولة اختارت أن تجعل من الرصاصة قاضيا، ومن البلاغ حكما نهائيا.

أن يكون القتلى مغاربة ليس تفصيلا عابرا في السياق الجزائري–المغربي، فالجغرافيا السياسية بين البلدين لم تعد مجرد حدود مغلقة، بل تحولت في الوعي الرسمي الجزائري، إلى مساحة إسقاط نفسي وسياسي، وحين يقتل مغاربة لا يعتقلون، لا يحاكمون، بل يقضى عليهم بحجة تهريب 74 كيلوغراما من الكيف، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام تطبيق صارم للقانون، أم أمام تفريغ لحقد سياسي قديم في جسد أشخاص عزل من أي حماية ؟
لنفترض مرة أخرى، صحة الرواية الرسمية: كمين، محجوزات، “مواجهة”، لكن أي مواجهة هذه ؟ بندقية صيد في مقابل قوة نظامية تمتلك التفوق العددي والتقني ؟ أي عقيدة أمنية رشيدة تعتبر أن الرد المتناسب على بندقية صيد هو الرصاص القاتل ؟ منذ متى أصبح التهريب مهما كان مدانا جريمة يعاقب مرتكبها بالإعدام الفوري خارج أي مسطرة قضائية ؟
القتل هنا ليس نتيجة اضطرار، بل خيار خيار يشي بعقلية ترى في المغربي “خصما” قبل أن تراه مشتبها فيه، وترى في الحدود مسرحا لتصفية الحسابات أكثر مما تراه مجالا لتطبيق القانون، وهذا ما يجعل الواقعة سياسية بامتياز، حتى لو حاول البلاغ الرسمي إغراقها في تفاصيل تقنية.
الأمر لا يقف عند هذه الحادثة، من قتل مغاربة تاهوا في البحر بدعوى “الالتباس” أو “الخطأ”، لا يبدو أنه يجد حرجا في قتل آخرين على اليابسة بدعوى “التهريب”، القاسم المشترك واحد حياة مغربية تنزع، ثم يبحث لاحقا عن توصيف لغوي يخفف وقع الفعل، مرة “حادث مؤسف”، ومرة “قضاء على مهربين”، والنتيجة واحدة: موت بلا مساءلة.
الأخطر من القتل ذاته هو تطبيعه، حين تستعرض “المحجوزات” لتبرير إزهاق الأرواح، نكون أمام منطق خطير: منطق يحول الإنسان إلى رقم، والجريمة إلى ذريعة، والعدالة إلى ترف مؤجل، دولة تحترم نفسها لا تحتاج إلى قتل مشتبه فيهم لتثبت سيادتها، بل إلى محاكمتهم لتثبت قوة قانونها.
الخلاصة لا تحتمل التلطيف: ما جرى ليس صرامة أمنية، بل قسوة سياسية مغلفة بلغة إجرائية، وليس دفاعا عن القانون، بل تعليقا له عند أول فرصة، وحين يكون القتلى مغاربة، فإن الحادثة لا تقرأ فقط في سجل الجريمة، بل في سجل علاقة مأزومة اختارت فيها الجارة الجزائرية أن تفرغ توترها المزمن في أجساد ثلاثة أشخاص.
ويبقى السؤال، ثقيلا ومحرجا: هل كان هؤلاء سيقتلون لو لم يكونوا مغاربة ؟، وهل ما جرى حماية للحدود…أم استعراضا فجا لقوة لا تجد حرجا في أن تمارس على من لا صوت لهم ؟











