العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
أعادت تدوينات وتصريحات متداولة داخل الأوساط المؤيدة لجبهة البوليساريو خلال الأسابيع الأخيرة، فتح النقاش حول تحول لافت في خطابها السياسي، بعدما انتقل من منطق التعبئة والتعبير عن “مشروع تحرري” إلى لغة تبرير العجز وتسويق الشك بوصفه واقعية سياسية، ويكتسب هذا التحول أهميته في توقيت دولي يتسم بتغير موازين القوة وتنامي الدعم للمبادرات السياسية الواقعية، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي المغربي، مقابل تراجع جاذبية الطرح الانفصالي.
المعطيات المتداولة تشير إلى بروز خطاب جديد داخل بعض المنصات المحسوبة على الجبهة، يتحدث صراحة عن “الضغوط الدولية”، و“انسداد الأفق”، و“استحالة مواجهة الإرادة الأمريكية”، هذا الخطاب الذي يقدم بوصفه قراءة عقلانية للواقع، يعكس في العمق أزمة بنيوية تراكمت على مدى عقود، حيث لم يعد المشروع الانفصالي قادرا على تقديم أفق سياسي قابل للتحقق، ولا على إقناع الفاعلين الدوليين بجدواه.
فبعد سنوات من الرهان على سردية “التحرير” وتعبئة الأنصار حول وعود غير محددة زمنيا، وجد الخطاب نفسه أمام معادلات دولية جديدة، جعلت من الواقعية السياسية معيارا للحلول، وأفرغت لغة الشعارات من مضمونها العملي.
التحول الأبرز يتمثل في محاولة إعادة تعريف الهزيمة بوصفها “الخيار الأقل كلفة”، فالنقاش حول الحكم الذاتي، الذي كان يصنف سابقا ضمن “الخطوط الحمراء”، بات يطرح اليوم كحل اضطراري، لا نتيجة قناعة سياسية، بل باعتباره مخرجا بعد استنفاد أوراق الضغط وتآكل القدرة على التأثير.
هذا التحول يطرح تساؤلات حول التناقض الداخلي في الخطاب: كيف يعاد تسويق خيار كان يرفض مبدئيا باعتباره تنازلا ليصبح فجأة تعبيرا عن “المسؤولية” ؟ وأي شرعية سياسية يمكن أن يؤسس لها هذا التحول المتأخر ؟
في موازاة ذلك يبرز حضور مكثف لمفهوم “الشعب الصحراوي” في هذا الخطاب بوصفه مرجعية أخلاقية لتبرير المراجعات، غير أن هذا الاستدعاء يصطدم بواقع تغييب الساكنة عن دوائر القرار، واستمرار معاناتها الاجتماعية والاقتصادية داخل المخيمات، حيث تستعمل الأوضاع المعيشية الصعبة كورقة خطابية، لا كمدخل فعلي لإعادة تقييم شاملة لمسار سياسي طويل.
ويعيد هذا السياق طرح أسئلة تتعلق بالمسؤولية السياسية عن مآلات الوضع الإنساني، وبمدى ارتباط القرار السياسي الحقيقي بإرادة الساكنة، في ظل غياب آليات تعبير حر ومستقل.
الإقرار بعدم القدرة على مجابهة الإرادة الدولية وخصوصا الأمريكية، يفهم على نطاق واسع باعتباره اعترافا ضمنيا بسقوط مقولة “القرار المستقل”، فالمعادلات الجيوسياسية الراهنة كشفت حدود الدور الوظيفي الذي ظل الطرح الانفصالي يتحرك ضمنه، ومع تغير التحالفات الدولية، تراجعت قدرته على فرض نفسه كخيار ذي مصداقية.
في المقابل تواصل مبادرة الحكم الذاتي المغربية حصد دعم دولي متنام، باعتبارها مقترحا واقعيا يوفق بين متطلبات الاستقرار والتنمية، ويستجيب لمنطق الحلول السياسية الممكنة، بعيدا عن مناخ الاستقطاب الأيديولوجي.
المؤشرات الراهنة لا تعكس مجرد نقاش داخلي عابر، بل توحي بمرحلة تفكك في بنية الخطاب الانفصالي، حيث يجري الانتقال من لغة “النضال” إلى خطاب التكيف مع الأمر الواقع، وهو تحول يسلط الضوء على أزمة قيادة بقدر ما يثير تساؤلات حول مستقبل المشروع نفسه، في ظل عجزه عن تجديد أدواته ورؤيته.
وفي هذا السياق، لا يقتصر النقاش على جدوى الحكم الذاتي كخيار سياسي، بقدر ما يمتد إلى كلفة التأخير الطويل في الاعتراف بحدود المشروع الانفصالي، والجهات التي ستتحمل تبعات هذا المسار، سياسيا وإنسانيا، في مرحلة إقليمية ودولية لا تعترف إلا بالحلول القابلة للحياة.












