العيون الآن.
يوسف بوصولة
بدأت كولومبيا رسميا يوم الخميس فاتح يناير، ولايتها كعضو غير دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للفترة الممتدة بين 2026 و2027، في ظرف دولي وإقليمي معقد، يجعل من تموقعها الدبلوماسي محطّ أنظار متابعين كثر، خصوصا أنها الدولة الوحيدة بين الأعضاء الخمسة عشر الحاليين التي ما تزال تعترف، منذ سنة 1976، بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” المعلنة من طرف واحد.
غير أن بيان وزارة الخارجية الكولومبية الصادر بالمناسبة حمل مؤشرات لافتة، إذ خلا بشكل كامل من أي إشارة مباشرة إلى جبهة البوليساريو أو إلى الدفاع عن أطروحاتها داخل مجلس الأمن. وركزت الدبلوماسية الكولومبية في المقابل على التزام بوغوتا بـ“ممارسة دبلوماسية استباقية تهدف إلى تعزيز الثقة بين أعضاء المجلس، وتشجيع الحوار والبحث عن التوافق”، مؤكدة تبني نهج يقوم على احترام الكرامة الإنسانية وتعزيز الحلول السلمية للنزاعات في إطار نظام دولي أكثر عدالة.
يأتي هذا الخطاب المتوازن في سياق لا يخلو من المفارقة، بالنظر إلى أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يعد منذ وصوله إلى السلطة في غشت 2022، من أبرز الداعمين لجبهة البوليساريو في أمريكا اللاتينية، حيث بادرت حكومته إلى إعادة العلاقات مع الكيان الانفصالي بعد فترة وجيزة من تنصيبه. كما سبق لبيترو أن دعا في نونبر الماضي، إلى تنظيم استفتاء في الصحراء، خلال لقائه في بوغوتا بممثل الجبهة محمد زروق.
ويقرأ متابعون هذا التحول في لهجة الخارجية الكولومبية على أنه محاولة لعدم توريط البلاد في مواقف حادة داخل مجلس الأمن، خاصة في ظل توازناته الدقيقة وحساسية ملف الصحراء المغربية، الذي يشهد خلال السنوات الأخيرة دينامية دبلوماسية تميل بشكل متزايد لصالح المقترح المغربي للحكم الذاتي، المدعوم من قوى دولية وازنة.
كما لا ينفصل هذا التموقع الجديد عن السياق السياسي الداخلي في كولومبيا، حيث يستعد البلد لانتخابات رئاسية مرتقبة خلال الصيف المقبل، وسط تراجع شعبية الرئيس بيترو وتصاعد الانتقادات الموجهة لسياساته الخارجية. ويزداد هذا الضغط مع تنامي التوترات الإقليمية، خصوصا في ظل العلاقة المعقدة مع فنزويلا، الحليف الاستراتيجي لبوغوتا، والتهديدات المتكررة بعودة سياسة القبضة الصارمة من واشنطن.
وفي هذا الإطار كان لافتا تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في دجنبر الماضي، حين قال إن بيترو “قد يكون الهدف التالي” في حملته ضد تهريب المخدرات، ملوحا بوجود مختبرات كبرى داخل كولومبيا، في رسالة فسرها مراقبون على أنها ضغط سياسي مباشر قبيل الاستحقاقات المقبلة.
وبين الاعتراف التاريخي بالبوليساريو من جهة، والحرص على خطاب دبلوماسي متوازن داخل مجلس الأمن من جهة أخرى، تبدو كولومبيا مقبلة على مرحلة دقيقة في سياستها الخارجية، عنوانها الأبرز محاولة التوفيق بين قناعات أيديولوجية قديمة وضرورات الواقعية السياسية، في مؤسسة دولية لا تحتمل كثيرا من المناورات الرمزية.











