دي ميستورا يكسر نصف قرن من الدعاية الجزائرية: نزاع الصحراء صراع دول لا “قضية شعب”

محرر مقالات10 سبتمبر 2025
دي ميستورا يكسر نصف قرن من الدعاية الجزائرية: نزاع الصحراء صراع دول لا “قضية شعب”

العيون الآن

يوسف بوصولة

 

لم يحتج ستافان دي ميستورا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية، سوى جملة واحدة لهز أركان دعاية روجتها الجزائر طيلة ما يقارب نصف قرن. ففي حوار مع مركز الدراسات الإيطالي ISPI، تخلى الرجل المعروف عادة بتحفظه الدبلوماسي، عن الغموض واختار الوضوح قائلاً:

«لا أزال اليوم أعمل على محاولة تجنب صراع مرتبط بتوتر بين دولتين على وجه الخصوص، المغرب والجزائر، ومجموعة تسمى البوليساريو، في الصحراء الغربية».

 

بهذه العبارة وضع دي ميستورا الجزائر في صلب النزاع، ناسفا السردية التي طالما قدمت المسألة كـ”قضية تصفية استعمار” أو “نضال شعب”. فالواقع، كما أوضحه بجلاء، أن الأمر يتعلق بصراع مباشر بين المغرب والجزائر، فيما لا يعدو “البوليساريو” أن يكون مجرد “مجموعة” بلا شرعية شعبية، واجهة يتحرك خلفها النظام الجزائري.

 

هذا التصريح العابر شكّل ضربة قاضية لأحد أعمدة البروباغندا الجزائرية: ادعاء تمثيل “شعب صحراوي”. فدي ميستورا لم يمنح “البوليساريو” سوى صفة “مجموعة”، مؤكدا بشكل ضمني أنه ليس حركة تحرير ولا صوتا شرعيا، بل أداة وظيفية بيد الجزائر، التي مولته وسلحته وأبقت عليه اصطناعيا في المشهد.

 

الرسالة واضحة: الجزائر ليست “داعما خارجيا” كما تدعي، بل طرف أصيل ومباشر في نزاع إقليمي طال أمده. اعتراف دي ميستورا بذلك كسر صمتا دبلوماسيا طويلا، وأسقط آخر أوراق التمويه التي استعملها النظام الجزائري.

 

ليست هذه الحقيقة سرا جديدا. فقرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرار 2756 (2024)، ذكرت الجزائر خمس مرات كطرف معني ودعتها صراحة للانخراط في المفاوضات. والرمزية كانت قوية حين امتنعت الجزائر، لأول مرة كعضو غير دائم بالمجلس، عن التصويت على القرار، بعدما شكل أسوأ خبر لها، إذ دعا إلى استثمار “الزخم الأخير” لدفع مسار الحل السياسي الواقعي، أي الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

 

وفي السياق نفسه، سبق للجزائر أن رفضت قرارات المجلس سنتي 2021 و2022 التي دعمت بدورها المبادرة المغربية. تناقض صارخ بين ادعاء “الحياد” ورفض متكرر للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

 

حتى داخل الاتحاد الإفريقي، حيث تتحرك الآلة الدعائية الجزائرية بكثافة، لم يعد هناك غطاء يخفي حقيقة النزاع. مصادر إفريقية تؤكد أن الدول الأعضاء باتت مجمعة على أن الطرفين الحقيقيين هما المغرب والجزائر، فيما “البوليساريو” مجرد واجهة سياسية.

 

من هنا، يكتسب تصريح دي ميستورا دلالته العملية: لقد آن الأوان للتخلي عن “الطاولات المستديرة” الشكلية، والدفع نحو مفاوضات مباشرة وصريحة بين الرباط والجزائر. مواجهة ستضع النظام الجزائري أمام مسؤوليته الحقيقية وتغلق باب المناورات.

 

هذا التوجه يتقاطع مع ما أكده الملك محمد السادس في خطاب العرش (29 يوليو 2025)، حيث شدد على ثوابت الدبلوماسية المغربية القائمة على الدفاع عن الوحدة الترابية بثبات وهدوء، مع التمسك في الآن ذاته بنهج اليد الممدودة. فقد دعا جلالته الجزائر مجددا إلى حوار مباشر “صريح ومسؤول”، “أخوي وصادق”، كسبيل وحيد لتجاوز العقبات وطي صفحة نزاع مفتعل طال أمده.

الاخبار العاجلة