وادي نون بين سؤال النخبة والمجال: هل تفشل الكفاءات أم تفشلها توازنات السياسة المحلية؟

محرر مقالات16 مارس 2026
وادي نون بين سؤال النخبة والمجال: هل تفشل الكفاءات أم تفشلها توازنات السياسة المحلية؟

العيون الآن.

 

في جهة كلميم وادنون لا يطرح النقاش حول النخبة باعتباره سجالا فكريا عابرا، بل كإشكال متجدد يعود إلى الواجهة كلما برزت تجربة سياسية جديدة أو احتدم الجدل حول حصيلة فاعل سياسي داخل الجهة. فهذه المنطقة التي أنجبت على امتداد تاريخها عددا من الأطر والكفاءات في مجالات السياسة والإدارة والثقافة، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة لافتة: حضور واضح للنخب في المشهد العام، يقابله تأثير محدود في تحويل الأفكار إلى مشاريع تنموية ملموسة أو في توجيه النقاش العمومي بشكل مؤثر.

 

هذه المفارقة تعيد طرح سؤال قديم يتجدد بصيغ مختلفة: هل تعاني وادي نون من أزمة نخبة؟ أم أن الإشكال يرتبط بطبيعة المجال السياسي والمؤسساتي الذي تتحرك داخله هذه النخب؟

 

خلال السنوات الأخيرة شهدت الجهة تحولات سياسية ومؤسساتية مهمة، غير أن المجال السياسي المحلي ظل في كثير من الأحيان، مسرحا لصراعات حادة وتوازنات معقدة تجعل من احتضان التجارب السياسية أمرا صعبا. وفي ظل هذا المناخ يتحول النقاش حول الأداء السياسي في الغالب إلى سجالات حادة تطغى عليها الاصطفافات الضيقة، بدل أن يكون مناسبة لتقييم موضوعي للمسارات السياسية واستشراف آفاق تنموية مشتركة للجهة.

 

ضمن هذا السياق تبرز تجربتا عبد الرحيم بوعيدة الرئيس السابق لجهة كلميم وادنون، ومحمد الصباري النائب البرلماني عن الإقليم، كنموذجين يعكسان تعقيد العلاقة بين النخبة والمجال السياسي المحلي.

 

ففي حالة بوعيدة ارتبط اسمه بتجربة سياسية حاولت تقديم نموذج لتدبير جهوي يستند إلى خلفية فكرية وسياسية واضحة، غير أن هذه التجربة وجدت نفسها داخل سياق سياسي مضطرب اتسم بصراعات داخل مجلس الجهة وتوترات سياسية حالت دون استقرار التجربة المؤسساتية بشكل يسمح بتقييم هادئ لحصيلتها.

 

وقد سبق لبوعدة أن عبر عن هذا الوضع حين وصف الجهة بأنها تحولت إلى ما يشبه “مختبرا لتفصيل الخرائط السياسية”، في إشارة إلى هشاشة التوازنات السياسية المحلية وتعقيداتها. ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن تحميل النخبة وحدها مسؤولية تعثر التجربة قد لا يعكس الصورة الكاملة، بقدر ما يكشف حدود الاشتغال داخل بنية سياسية محلية ما تزال تحكمها ثقافة الصراع وتداخل المصالح.

 

غير أن اللافت في هذه التجربة أن النقاش الذي رافقها لم يقتصر على تقييم الأداء السياسي فحسب، بل امتد أحيانا إلى التشكيك في قدرة المثقف أو صاحب الخلفية الفكرية على تدبير الشأن العام. وهو خطاب يرى بعض المتابعين أنه قد يخدم، في بعض الحالات، منظومات مصالح تفضل إبعاد النخب ذات الطابع النقدي عن مواقع القرار، لما تمثله من مصدر مساءلة ورقابة داخل المجال العمومي.

 

في المقابل تقدم تجربة النائب البرلماني محمد الصباري زاوية أخرى لقراءة مسار النخب في وادي نون، من خلال العمل داخل المؤسسات الوطنية. ففي عدد من مواقفه وتصريحاته، يؤكد الصباري أن علاقته بمدينة كلميم تتجاوز حدود التمثيل الانتخابي لتصل إلى ارتباط يقوم على الانتماء والدفاع عن قضايا المنطقة داخل المؤسسة التشريعية.

 

ويطرح الصباري مقاربة تقوم على الترافع عن ملفات الجهة داخل البرلمان، معتبرا العمل البرلماني أداة لمساءلة السياسات العمومية والدفاع عن انتظارات الساكنة. غير أنه يقر في الوقت ذاته بأن مسارات العمل السياسي لا تسير دائما وفق ما يخطط له الفاعلون، في إشارة إلى تعقيدات المشهد السياسي المحلي وتشابك العوامل المؤثرة فيه.

 

وتكشف تصريحات الصباري أيضا عن قلق متزايد إزاء ما وصفه بمخاطر تمدد الاختلالات والفساد في بعض مفاصل العمل العمومي، وهو ما يعيد النقاش مجددا إلى السؤال المركزي: هل يتعلق الأمر فعلا بعجز النخب عن أداء دورها، أم ببيئة سياسية ومؤسساتية تحد من قدرتها على التأثير؟

 

في هذا السياق يطرح متابعون تساؤلات أوسع تتجاوز حدود الأفراد، لتشمل طبيعة العلاقة بين الدولة والنخب المحلية. فإلى أي حد توفر المؤسسات العمومية الشروط الموضوعية لتمكين النخب الجهوية من الاضطلاع بدورها في تدبير الشأن العام؟ وهل تحظى هذه النخب بالمواكبة السياسية والمؤسساتية الكافية لإنجاح ورش الجهوية المتقدمة الذي تراهن عليه الدولة لتعزيز التنمية الترابية؟

 

كما يظل دور الأحزاب السياسية عاملا حاسما في هذا النقاش، إذ يطرح السؤال حول مدى قدرة التنظيمات الحزبية على دعم النخب التي تفرزها، ليس فقط عبر منحها مواقع التمثيل، بل أيضاً عبر توفير شروط الاستمرار والتأثير داخل المجال السياسي.

 

وبين تجربتي بوعيدة والصباري، يبدو أن الإشكال المرتبط بنخبة وادي نون لا يمكن اختزاله في نجاح تجربة أو تعثر أخرى، لأن التجارب السياسية لا تتشكل في فراغ، بل داخل مجال تحكمه توازنات اجتماعية وسياسية معقدة، إضافة إلى بنية تقليدية ما تزال في بعض الأحيان تقاوم صعود النخب القادرة على تحويل المعرفة والخبرة إلى فعل تنموي مؤثر.

 

من هنا يرى مراقبون أن النقاش الحقيقي حول مستقبل الجهة ينبغي ألا يقتصر على تقييم الأشخاص، بل يجب أن يمتد إلى التفكير في إصلاح المجال السياسي والمؤسساتي نفسه، بما يسمح بإنتاج نخب جديدة واحتضانها في الوقت ذاته.

 

وفي انتظار ذلك يظل السؤال مفتوحا داخل وادي نون: كيف يمكن تحويل حضور النخب من مجرد حضور رمزي في النقاش العمومي إلى قوة فعلية قادرة على الإسهام في رسم مسار تنموي مستدام يخدم الجهة وساكنتها؟

 

السياسة المحلية، في نهاية المطاف، تشبه نظاماً بيئياً معقدا. الكفاءات قد تكون البذور، لكن التربة أي المجال السياسي والمؤسساتي هي التي تحدد إن كانت تلك البذور ستنبت… أم ستظل مجرد إمكانية ضائعة في أرض صلبة.

الاخبار العاجلة