العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم تمض سوى أيام على موجة الحرائق التي ضربت عددا من المناطق الجزائرية وخلفت خسائر بشرية ومادية، حتى انتقلت السلطات في الجزائر إلى تشديد العقوبات على المتورطين في إشعال الحرائق عمدا، في وقت ما تزال فيه الأسئلة المرتبطة بفعالية منظومة الوقاية والاستعداد والتدخل مطروحة بقوة.
فقد وجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد تعليمات إلى وزير العدل من أجل تعديل قانون العقوبات قبل 15 شتنبر المقبل، بما يسمح بإعادة إقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ بحق المتورطين في إضرام الحرائق عمدا. وجاء القرار عقب الحرائق التي شهدتها عدة ولايات وأسفرت عن سقوط ضحايا وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.
يضع هذا القرار ملف الحرائق في الجزائر أمام مسارين متوازيين: الأول يتعلق بتحديد المسؤوليات الجنائية ومعاقبة من تثبت مشاركته في إضرام النيران عمدا، والثاني يرتبط بمدى قدرة الدولة على منع تحول الحرائق المتكررة إلى كوارث واسعة النطاق، خصوصا أن خطر حرائق الغابات أصبح معروفا ومتكررا وليس ظاهرة طارئة.
تشير معطيات البنك الدولي إلى أن الجزائر سجلت أكثر من 75 ألف حريق غابوي بين 1985 و2022، بمعدل سنوي يقارب 35 ألف هكتار من المساحات المحترقة. كما خلص تشخيص حديث للقطاع إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وطول فترات الجفاف وتدهور الأراضي ساهمت في زيادة شدة الحرائق.
الأهم في التقرير الدولي أنه لا يحصر المشكلة في العوامل المناخية أو في احتمال وجود متسببين متعمدين، بل يرصد مجموعة من الاختلالات المرتبطة بطريقة إدارة مخاطر الحرائق. فقد أشار إلى حاجة عدد من خطط إدارة الغابات إلى التحديث، وتجزؤ أنظمة البيانات، ووجود فجوات في التنسيق بين المؤسسات، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة والبنية التحتية والمعدات.
ويشمل ذلك بحسب البنك الدولي تطوير أدوات الإنذار المبكر وأنظمة البيانات والخرائط، وتعزيز التنسيق المؤسساتي، إلى جانب الاستثمار في الكاميرات والطائرات المسيرة والطرق ونقاط المياه، وهي عناصر تجعل الوقاية والاستباق جزءا أساسيا من مواجهة الحرائق، وليس مجرد إجراءات مرافقة لعمليات الإطفاء بعد اندلاعها.
للحجج تكشف هذه المعطيات أن الجزائر لا تواجه مشكلة مرتبطة بحريق واحد أو بموسم استثنائي، وإنما معضلة تراكمت على مدى سنوات. فالبنك الدولي سبق أن وصف حرائق الغابات بأنها من أبرز المخاطر المباشرة وغير المباشرة التي تهدد الغابات الجزائرية، وربط تزايد مخاطرها بالتغير المناخي والجفاف وتدهور الأراضي. كما شدد على أن الوقاية والاستثمار في إدارة الغابات أكثر أهمية في الحد من الخسائر قبل وقوع الكارثة.
في المقابل أظهرت الاستجابة الرسمية للحرائق الأخيرة أن السلطات الجزائرية كانت مطالبة أيضا بالتعامل مع حجم الكارثة على الأرض. فقد أعلنت الرئاسة حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام عقب وفاة عدد من المواطنين في الحرائق التي اندلعت بعدة ولايات، كما أوفدت وزارة الداخلية بعثة إلى بجاية لمتابعة عمليات الإخماد ميدانيا.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية في طريقة تدبير الملف: كلما اتسعت دائرة الخسائر يتقدم خطاب العقاب إلى الواجهة، بينما تبقى فعالية منظومة الوقاية والاستعداد والتنسيق موضع اختبار.
ولا يعني ذلك التقليل من مسؤولية أي شخص يثبت التحقيق تورطه عمدا في إشعال الحرائق؛ فإضرام النار بشكل متعمد يمكن أن يحول كارثة طبيعية أو مناخية إلى جريمة ذات آثار خطيرة على السكان والبيئة والممتلكات. لكن تشديد العقوبة لا يلغي في المقابل الحاجة إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل الحرائق أكثر قدرة على الانتشار والتسبب في خسائر واسعة.
واللافت أن السلطات الجزائرية نفسها وفق المعطيات التي أوردها البنك الدولي، تعمل على الانتقال نحو نموذج أكثر اعتمادا على الوقاية والاستباق والإنذار المبكر، بما يعني أن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بملاحقة المتسبب بعد وقوع الحريق، وإنما بقدرة المؤسسات على تقليص احتمال تحوله إلى كارثة.
وهكذا يجد النظام الجزائري نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدا من مجرد رفع سقف العقوبات: فإعادة العمل بعقوبة الإعدام قد تشكل رسالة ردع قوية، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة التي تفرضها حرائق متكررة في بلد يعرف منذ عقود حجم المخاطر التي تواجه غاباته.
فإذا كان الحريق جريمة فإن الوقاية مسؤولية دولة؛ وإذا كان المطلوب محاسبة من يشعل النار، فإن حجم الخسائر يفرض أيضا مساءلة منظومة الاستعداد التي يفترض أن تمنع النار من التحول إلى مأساة.
وفي هذه النقطة تحديدا تبدو أرقام السنوات الماضية أكثر دلالة من الخطابات السياسية: أكثر من 75 ألف حريق خلال أقل من أربعة عقود، وآلاف الهكتارات المحترقة سنويا وتوصيات دولية تدعو إلى تحديث خطط إدارة الغابات وتعزيز الإنذار المبكر والتنسيق والاستثمار في وسائل الرصد والتدخل.
لذلك فإن السؤال الذي تفرضه موجة الحرائق الأخيرة في الجزائر لا يتوقف عند من أشعل النار؟ بل يمتد إلى سؤال آخر أكثر ارتباطا بإدارة الدولة للأزمات: ماذا فعلت المؤسسات قبل أن تشتعل؟
وهنا تحديدا ستقاس فعالية الاستجابة الجزائرية: ليس فقط بعدد العقوبات التي ستصدر، وإنما بقدرة الدولة على تقليص عدد الحرائق، وتسريع اكتشافها، واحتواء انتشارها، وحماية السكان والغابات قبل أن تتحول كل موجة صيفية إلى مأساة جديدة.











