العيون الآن.
حمزة وتاسو / باريس.
في سياق تتزايد فيه أهمية الدبلوماسية الاقتصادية والرهانات المرتبطة بصورة الدول عبر كفاءاتها المقيمة بالخارج، تبرز تجربة عبد الكريم مالوي ابن مدينة ورزازات، كمثال عملي على الدور المتنامي للمغاربة المقيمين بالخارج في تعزيز الحضور الاقتصادي والرمزي للمغرب داخل الفضاء الأوروبي، فقد نجح مشروعه الناشئ ”Buenuts” لعجينة الشوكولاتة للدهن المنطلق من فرنسا، في اختراق شبكات التوزيع الكبرى وتحقيق رقم معاملات تجاوز 300 ألف يورو خلال سنة واحدة، في تجربة تحمل أبعادا اقتصادية ودبلوماسية تتجاوز حدود المبادرة الفردية.
ولد عبد الكريم مالوي ونشأ في مدينة ورزازات، إحدى الحواضر المغربية التي شكلت عبر تاريخها فضاء للتلاقي الثقافي والانفتاح على العالم، هناك تلقى تعليمه الأولي قبل أن ينتقل في سن العاشرة، رفقة والديه إلى مدينة روان الفرنسية، هذا المسار العابر للحدود أسهم في بناء شخصية مزدوجة المرجعية، مغربية الجذور أوروبية التكوين، وهو نموذج بات يشكل ركيزة أساسية فيما يعرف اليوم بالدبلوماسية البشرية للمغرب، القائمة على الاستثمار في الرأسمال البشري لأبنائه بالخارج.
عند سن السادسة عشرة، كاد المسار الدراسي لعبد الكريم أن يتوقف، غير أن تدخل أستاذة اللغة الفرنسية، التي لمست مؤهلاته وشجعته على الاستمرار، أعاد توجيه المسار، وتعكس هذه المحطة تفاعلا إيجابيا بين منظومة الاستقبال الأوروبية وقيم الاجتهاد والطموح التي يحملها أبناء الهجرة المغربية، في تقاطع يبرز قدرة الأفراد على التحول إلى جسور إنسانية بين الثقافات، بدل أن يكونوا موضوعا لنقاشات الاندماج فقط.
بعد سنوات من التكوين، أسس عبد الكريم مالوي رفقة أحد أصدقائه مشروع «Buenuts» برأسمال متواضع لا يتجاوز 1500 يورو، ورغم محدودية الإمكانيات، اعتمد المشروع على فلسفة الابتكار والعمل الميداني، مدعومة بتجربة عملية في تركيا، مكنتهما من تطوير منتج يستجيب لمعايير السوق الأوروبية مع الحفاظ على روح المبادرة الحرة، وفي هذا السياق، تندرج التجربة ضمن ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الاقتصادية غير الرسمية، حيث يتحول المقاول المغربي بالخارج إلى فاعل اقتصادي يساهم في خلق القيمة وتعزيز الثقة في الكفاءات ذات الأصول المغربية.
اعتمد مؤسسو ”Buenuts” استراتيجية تسويقية غير تقليدية، قائمة على الترويج الشفهي المنظم داخل شبكاتهم الاجتماعية، ما أفضى إلى إثارة اهتمام إحدى الشركات الكبرى، التي بادرت إلى التواصل معهم بعد الاطلاع على مشروعهم، هذه المقاربة وإن بدت بسيطة، تعكس قدرة المبادرات الصغيرة على فرض ذاتها داخل منظومات اقتصادية معقدة، وتعزز في الآن ذاته صورة المقاول المغربي بوصفه فاعلا مبتكرا، قادرا على الاندماج والإنتاج وفق منطق السوق لا الامتياز.
اليوم توزع منتجات ”Buenuts” عبر شبكات التوزيع الكبرى في فرنسا، محققة رقم معاملات تجاوز 300 ألف يورو خلال سنة واحدة، وتحمل هذه النتائج دلالات تتجاوز البعد التجاري، إذ تندرج ضمن مساهمة المغاربة المقيمين بالخارج في الاقتصاديات المحلية لبلدان الإقامة، وفي الوقت نفسه في ترسيخ صورة المغرب كبلد مصدر للكفاءات وروح المبادرة، وليس فقط لليد العاملة.
تبرز تجربة عبد الكريم مالوي كيف يمكن للمبادرات الفردية أن تتحول إلى أدوات دبلوماسية ناعمة، تسهم في تعزيز الحضور المغربي داخل المجتمعات الأوروبية بعيدا عن القنوات الرسمية التقليدية، كما تؤكد أن الاستثمار في قصص النجاح الواقعية لأبناء الجالية يشكل رافعة أساسية للدبلوماسية الموازية، القائمة على الاقتصاد، والثقافة، والقيم المشتركة.
ختاما لا تمثل «Buenuts» مجرد مشروع غذائي ناشئ، بل تجربة دالة على تحولات أعمق في أدوار المغاربة المقيمين بالخارج، حيث باتوا فاعلين اقتصاديين ودبلوماسيين غير مباشرين، يحملون صورة وطنهم عبر العمل والإنجاز، وهي تجربة تعكس أن المغرب، برأسماله البشري المنتشر عبر العالم، يمتلك أحد أقوى أدوات حضوره الدولي: الإنسان المقاول.











