العيون الآن.
يوسف بوصولة – الرباط
لم تكن العلاقات المغربية الإكوادورية ضمن المحاور التقليدية للدبلوماسية المغربية، غير أن التحولات المتسارعة خلال العقد الأخير أعادت رسم هذا المسار بشكل لافت لينتقل من تمثيلية محدودة إلى تقارب سياسي واقتصادي متنام، توج بمواقف واضحة في ملف الصحراء المغربية.
في مرحلتها الأولى اتسمت العلاقة بطابع حذر ومحدود حيث ظل الحضور الدبلوماسي ضعيفا نسبيا، مع اعتماد الإكوادور على تمثيليات غير مباشرة في تدبير علاقاتها مع المغرب. غير أن هذه الوضعية بدأت تتغير تدريجيا مع تعيين المملكة سنة 2017 للسفيرة فريدة الوداية في كيتو، وهي خطوة عكست إرادة مغربية لإعادة تنشيط هذا المحور الدبلوماسي والانفتاح على أمريكا اللاتينية خارج الدوائر التقليدية.
هذا التعيين لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي بل شكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة حيث عملت السفارة المغربية على بناء شبكة علاقات داخل الأوساط السياسية والمؤسساتية الإكوادورية، وفتح قنوات تواصل مستمرة مع صناع القرار. وقد ساهم هذا الحضور في تهيئة الأرضية لتحولات لاحقة، خاصة في ما يتعلق بموقف الإكوادور من قضية الصحراء.
المنعطف الأبرز جاء نهاية سنة 2024 حين قررت الإكوادور سحب اعترافها بالكيان الانفصالي في خطوة ذات دلالات سياسية قوية، وضعتها ضمن الدينامية الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل واقعي للنزاع. هذا التحول لم يكن مفاجئا بقدر ما كان نتيجة تراكم عمل دبلوماسي هادئ قاده المغرب على مدى سنوات.
سنة 2025 كرست الدولتان هذا التقارب من خلال قرار الإكوادور فتح سفارة لها في الرباط، وهو تطور نوعي نقل العلاقة من مستوى التواصل المحدود إلى شراكة مؤسساتية قائمة. وقد تزامن ذلك مع إطلاق آلية للمشاورات السياسية بين البلدين، وتوقيع مذكرات تفاهم شملت مجالات التكوين الدبلوماسي، والتعليم، والفلاحة.
على المستوى الاقتصادي بدأت ملامح تعاون عملي تتشكل، خاصة في قطاع الأسمدة حيث يعد المغرب فاعلا رئيسيا عالميا وهو ما يتقاطع مع حاجيات الإكوادور الزراعية. كما شملت مجالات التعاون برامج للمنح الدراسية لفائدة الطلبة الإكوادوريين، وتبادل الخبرات في مجالات التكوين، وهو ما يعكس توجها نحو بناء شراكة متعددة الأبعاد تتجاوز الإطار السياسي.
الدينامية الثنائية ترجمت كذلك في تكثيف المباحثات الرسمية والزيارات المتبادلة، سواء على مستوى وزراء الخارجية أو المسؤولين التقنيين، مع اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على بناء الثقة وتوسيع مجالات التعاون. هذا المسار أفرز تقاربا في المواقف داخل المحافل الدولية، خاصة في ما يتعلق بقضية الصحراء.
وفي امتداد لهذه الدينامية جاء اللقاء الوزاري الذي احتضنته الرباط هذا الأسبوع ليكرس هذا التحول بشكل أوضح، حيث جددت جمهورية الإكوادور في بيان مشترك أعقب مباحثات بين ناصر بوريطة ونظيرته غابرييلا سومرفيلد دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007، واصفة إياها بـ”الحل الوحيد الجاد وذي المصداقية والواقعي” لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية. كما أشادت كيتو بقرار مجلس الأمن 2797 مؤكدة أن هذا الخيار يظل الأكثر قابلية للتطبيق ضمن إطار الأمم المتحدة. ولم يقتصر هذا الموقف على البعد السياسي، بل امتد إلى إجراءات عملية من بينها إعلان الإكوادور توسيع تغطيتها القنصلية بالأقاليم الجنوبية، إلى جانب إبداء رغبتها في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بهذه المناطق، بما يفتح لها آفاقا نحو العمق الإفريقي. وفي السياق ذاته كشفت المسؤولة الإكوادورية عن زيارة مرتقبة لسفير بلادها بالرباط إلى جهة الصحراء، بهدف دعم مشاريع ومبادرات اقتصادية في خطوة تعكس انتقال هذا التقارب من مستوى المواقف إلى منطق الانخراط الميداني
أن العلاقات المغربية الإكوادورية لم تتطور بشكل فجائي بل عبر بناء تدريجي بدأ بتعزيز الحضور الدبلوماسي سنة 2017 مرورا بإعادة تموقع سياسي سنة 2024، وصولا إلى شراكة مؤسساتية واقتصادية أكثر وضوحا في 2025 و2026. وهو ما يعكس في العمق، نجاعة الدبلوماسية المغربية في الاشتغال على المدى المتوسط والبعيد، وتحويل العلاقات “الهامشية” إلى أوراق استراتيجية داخل توازنات دولية معقدة











