العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
في لحظة سياسية وتنموية دقيقة ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم أمس الخميس مجلسا وزاريا بالرباط، حمل في مخرجاته إشارات قوية تتجاوز منطق التدبير الظرفي نحو إعادة تشكيل عميقة لهندسة الدولة الترابية. فالمصادقة على نصوص قانونية وتنظيمية إلى جانب تعيينات استراتيجية لم تكن مجرد إجراءات تقنية، بل تعكس تحولا في فلسفة تدبير المجال قوامه تمكين الجهة، وتوسيع اختصاصاتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن تصور متكامل للتنمية.
في هذا السياق يقر أستاذ العلوم السياسية عباس الوردي هذه المخرجات باعتبارها “انتقالا من جهوية مؤطرة بالنصوص إلى جهوية فاعلة على أرض الواقع”، مشيرا إلى أن ما تم إقراره يعزز بشكل واضح موقع الجهة كفاعل مركزي في تحقيق التنمية وليس مجرد مستوى إداري وسيط.
أحد أبرز مرتكزات هذا التحول حسب الوردي يتمثل في تعديل القانون التنظيمي للجهات، بما يفتح المجال أمام “توسيع مزدوج” يشمل الاختصاصات الذاتية والمشتركة، في أفق منح الجهات قدرة أكبر على التدبير المباشر لقضاياها التنموية. هذا التوسيع يتقاطع مع رفع سقف الموارد المالية، حيث يتحدث الوردي عن “قاعدة تمويلية موسعة بمليارات الدراهم”، من شأنها أن تعزز استقلالية القرار الجهوي، وتحرر المبادرة الترابية من قيود المركز.
هذا التوجه ينسجم مع روح دستور المغرب 2011 الذي كرس مبدأ الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي للدولة، لكنه ظل في جزء منه رهين بطء التنزيل وغياب آليات فعالة للتمويل والتنفيذ.
التحليل الذي يقدمه الوردي يتوقف أيضا عند تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، معتبرا أن المجلس الوزاري “يؤسس لمرحلة التنفيذ الفعلي لهذا الورش”، من خلال إرساء بنية حكامة متعددة المستويات تتوزع فيها الأدوار بين المحلي والجهوي والوطني.
في هذا الإطار يبرز دور الولاة والعمال كحلقة وصل تنفيذية، في مقابل حضور الحكومة عبر لجنة وطنية للتنسيق والتتبع، وهو ما يعكس بحسب الوردي “انتقالا نحو نموذج تعاوني بين المركز والجهات، قائم على التكامل بدل التراتبية الصارمة”.
من بين المستجدات اللافتة اعتماد شركات مساهمة جهوية كآلية لتنفيذ المشاريع، وهو خيار يراه الوردي مدخلًا لإعادة هيكلة الاستثمار الترابي، عبر الجمع بين صرامة الرقابة العمومية ومرونة التدبير الخاص. هذه الصيغة بحسبه “قد تشكل قفزة نوعية في تسريع وتيرة الإنجاز، وتجاوز أعطاب البيروقراطية التي طبعت عمل الوكالات الجهوية”.
ولعل أحد التحولات الهادئة لكن العميقة يتمثل في إحداث منصة رقمية لتتبع المشاريع، تتيح للمواطنين الولوج إلى المعطيات المرتبطة بتنفيذ البرامج. هنا يتحدث الوردي عن “دمقرطة المعلومة”، حيث تصبح عملية التتبع والتقييم مفتوحة بما يعزز الشفافية ويكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذا التوجه الرقمي لا يقتصر على الجانب التقني، بل يؤسس لعلاقة جديدة بين المواطن والإدارة، قوامها المشاركة والمساءلة بدل الاكتفاء بالتلقي.
في بعد آخر يلفت الوردي الانتباه إلى دلالة التعيينات التي شملت مسؤولين على رأس المجموعات الصحية الترابية، وجميعهم من الكفاءات الطبية، معتبرا أن ذلك “إشارة قوية على توجه الدولة نحو إعادة هيكلة المنظومة الصحية جهويا”.
هذا المعطى يفتح حسب تحليله أفق “جهوية صحية” قائمة على تقريب الخدمات، وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج، في انسجام مع ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
في المحصلة يضع الوردي هذه المخرجات ضمن ما يسميه “خريطة طريق واضحة المعالم”، هدفها النهائي بناء “مغرب بسرعة واحدة”، عبر تقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية البشرية المستدامة.
غير أن هذا الطموح رغم وضوحه على مستوى الرؤية، يظل رهينا بمدى نجاعة التنفيذ، وقدرة مختلف المتدخلين على تنزيل هذه التوجهات في الميدان، بعيدا عن أعطاب التنسيق وضعف الالتقائية التي رافقت تجارب سابقة.
فالمجلس الوزاري الأخير لا يطرح فقط نصوصا جديدة، بل يختبر مرة أخرى قدرة الدولة على تحويل الإرادة السياسية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية.











