حمزة وتاسو – العيون.
تدخل قضية الصحراء خلال أكتوبر الجاري مرحلة دبلوماسية بالغة الحساسية، في ظل تكثيف المغرب تحركاته داخل أروقة الأمم المتحدة استعدادا لمحطة مجلس الأمن المرتقبة، في مسعى إلى الدفع بمبادرة الحكم الذاتي نحو موقع أكثر مركزية في مسار التسوية السياسية للنزاع الممتد لأكثر من نصف قرن.
وتتحرك الدبلوماسية المغربية وفق المعطيات المتداولة، على مسارين متوازيين أولهما داخل مجلس الأمن عبر تكثيف الاتصالات مع أعضائه المنتخبين، وثانيهما مع الدول الخمس دائمة العضوية، في محاولة لتأمين أوسع قدر ممكن من التوافق حول صياغة القرار المرتقب وضمان عدم اصطدامه بأي استخدام محتمل لحق النقض.
وتشمل هذه الاتصالات الأعضاء المنتخبين في المجلس، وهم البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والدنمارك واليونان ولاتفيا وليبيريا وباكستان وبنما والصومال، في سياق دبلوماسي يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للرباط، بالنظر إلى أن تأمين الأصوات اللازمة يظل جزءا من معركة أوسع تتجاوز الحسابات العددية إلى طبيعة المضمون السياسي للقرار.
ولا تقف المعركة عند حدود جمع الأصوات التسعة المطلوبة لتمرير القرار، إذ تظل مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا عاملا حاسما في تحديد سقف الصياغة النهائية، بالنظر إلى امتلاك هذه الدول حق النقض داخل المجلس.
وتحظى موسكو على وجه الخصوص، باهتمام دبلوماسي مغربي لافت، في ظل علاقاتها الاستراتيجية والعسكرية مع الجزائر ووفق السيناريو المطروح، قد يتركز التحفظ الروسي المحتمل على بعض مضامين الصياغة، مع بقاء خيار الامتناع عن التصويت قائما، بدلا من الانتقال إلى استخدام الفيتو لتعطيل القرار.
وتكتسب هذه التحركات أهميتها من كون الرباط لا تسعى وفق هذا التصور، إلى إنتاج قرار آخر يكرر المواقف السابقة فحسب، وإنما إلى دفع مسار القضية من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة أكثر ارتباطا بتنفيذ تسوية سياسية تقوم على مبادرة الحكم الذاتي.
ويتمثل الرهان المغربي في تثبيت الحكم الذاتي باعتباره الإطار المركزي للحل السياسي، بما يفتح الباب أمام انتقال تدريجي من تدبير نزاع مفتوح إلى مواكبة ترتيبات تسوية محددة، تشمل طبيعة المؤسسات والاختصاصات والضمانات وآليات التنفيذ.
وتبرز هنا المرحلة التالية للقرار باعتبارها الاختبار الأكثر حساسية إذ إن نجاح أي صياغة سياسية داخل مجلس الأمن لن يحسم وحده مستقبل المسار، ما لم تقترن بإجراءات عملية تحدد كيفية الانتقال من الإطار السياسي إلى آليات التنفيذ والمراقبة والتقييم.
وتطرح المعطيات المتداولة في هذا السياق، تصورا لدور أممي أكثر ارتباطا بمرحلة التنفيذ، بما قد يعيد تعريف طبيعة المهمة المنوطة ببعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو”، من خلال مواكبة ترتيبات التسوية ومراقبة تنفيذ الالتزامات والضمانات المرتبطة بها، إذا ما تم التوافق الأممي على هذا الاتجاه.
ويمثل هذا التحول في حال اعتماده، تغييرا جوهريا في وظيفة الحضور الأممي، إذ سينتقل التركيز من مجرد مواكبة وضعية نزاع إلى مراقبة مسار سياسي محدد وتقييم مدى احترام الأطراف للترتيبات التي يتم الاتفاق عليها.
وتشير المعطيات المطروحة إلى إمكانية اعتماد مرحلة انتقالية خلال سنة 2027، تكون خلالها عملية التنفيذ موضع مواكبة ومراقبة أممية، بما يسمح بإعداد تقييم عملي بشأن مدى احترام الترتيبات والشروط والضمانات التي يقوم عليها المسار.
وستشكل هذه المرحلة إذا تحققت، الاختبار الفعلي لأي قرار سياسي يصدر عن مجلس الأمن، لأن الأسئلة ستنتقل حينها من قاعة المفاوضات إلى تفاصيل التنفيذ توزيع الاختصاصات، بناء المؤسسات، ممارسة الصلاحيات، وضمان احترام الالتزامات المتفق عليها، فضلا عن طبيعة الدور الذي ستضطلع به الأمم المتحدة في مراقبة هذه العملية.
ويرتبط هذا المسار بحسب التصور المطروح، بمحطة لاحقة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يمكن أن تتحول نتائج التنفيذ والتقييم الأممي إلى عناصر أساسية في مرحلة جديدة من معالجة الملف، بما قد يفتح نقاشا حول مستقبل ارتباط القضية بالمسار الأممي داخل اللجنة الرابعة.
وتكشف هذه الهندسة في جوهرها، عن مسار متدرج يبدأ بتثبيت الإطار السياسي داخل مجلس الأمن، ثم الانتقال إلى التنفيذ والمواكبة والتقييم، وصولا إلى محاولة تثبيت مآلات التسوية داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
وتفرض هذه المرحلة على الدبلوماسية المغربية خوض معركة مزدوجة لا تقل فيها الصياغة أهمية عن التصويت فالحصول على الأغلبية المطلوبة لا يكفي إذا جاءت لغة القرار أقل من سقف الطموح السياسي للرباط، كما أن تفادي الفيتو لا يعني بالضرورة ضمان صياغة تمنح الحكم الذاتي الموقع الذي تسعى إليه.
وتتحول بذلك معركة أكتوبر إلى اختبار لقدرة المغرب على بناء توافق دبلوماسي يجمع بين الحسابات العددية داخل المجلس ومواقف القوى الكبرى، مع الدفع في الوقت نفسه نحو لغة سياسية أكثر وضوحا بشأن طبيعة الحل ومآلاته.
ويكتسب هذا الرهان بعدا إضافيا بالنظر إلى أن أي انتقال من مرحلة التفاوض السياسي إلى مرحلة التنفيذ سيعيد فتح ملفات شديدة الحساسية، تتعلق بالصلاحيات والمؤسسات والضمانات وآليات المراقبة والجدول الزمني، وهي تفاصيل قد تكون أكثر تعقيدا من مجرد الاتفاق على صياغة قرار أممي.
ويضع هذا التطور المحتمل المغرب أمام معركة دبلوماسية مختلفة في طبيعتها عن المحطات السابقة فالمطلوب لم يعد فقط التأثير في لغة القرارات، وإنما محاولة بناء مسار مؤسساتي يجعل مبادرة الحكم الذاتي أساسا لتسوية قابلة للتنفيذ والمراقبة والتقييم.
وتشير هذه المعطيات إلى أن أكتوبر قد يشكل نقطة اختبار حقيقية لمسار القضية، خصوصا إذا تمكنت الرباط من تمرير تصور يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها السؤال المركزي داخل المنظومة الأممية أقل ارتباطا بكيفية استمرار إدارة النزاع، وأكثر ارتباطا بكيفية تنفيذ التسوية السياسية.
وبعد عقود من المفاوضات والقرارات الأممية، يتجه الرهان إلى إعادة تعريف معيار النجاح في الملف: ليس بعدد جولات التفاوض أو البيانات الصادرة، وإنما بمدى القدرة على الانتقال من المواقف السياسية إلى ترتيبات عملية قابلة للتنفيذ والمراقبة والتقييم.
ومن مجلس الأمن إلى مرحلة التنفيذ، ثم إلى التقييم داخل الجمعية العامة، ترسم هذه الدينامية مسارا متدرجا تسعى الرباط من خلاله إلى نقل الحكم الذاتي من مستوى المبادرة السياسية المطروحة على طاولة التفاوض إلى مستوى الإطار الذي يمكن أن تنتظم حوله المرحلة المقبلة من التسوية.
ويبقى نجاح هذا التصور رهينا، في المقابل، بحجم التوافق الذي يمكن بناؤه داخل مجلس الأمن، وبطبيعة الصياغة النهائية للقرار، وبمدى استعداد القوى المؤثرة داخل الأمم المتحدة للانتقال من إدارة النزاع إلى دعم مسار عملي للتسوية.
وهنا تحديدا تكمن أهمية أكتوبر فالمحطة المرتقبة لا تختزل في صدور قرار جديد، وإنما في الاتجاه الذي يمكن أن يرسمه هذا القرار لمسار قضية الصحراء خلال السنوات المقبلة.
وإذا تمكنت الرباط من دفع هذا المسار نحو مرحلة التنفيذ والمواكبة والتقييم، فإن قضية الصحراء ستكون أمام تحول في طبيعة إدارتها الأممية، ينتقل بها من منطق النزاع المفتوح إلى منطق تسوية سياسية محددة المعالم، يكون الاختبار الحقيقي لها على الأرض لا في نصوص القرارات وحدها.
