مشروع اجتماعي أم عقار للريع؟ كيف تحول سكن مؤسسة الأعمال الاجتماعية بتزنيت إلى مأزق إنساني مفتوح

محرر مقالات31 ديسمبر 2025
مشروع اجتماعي أم عقار للريع؟ كيف تحول سكن مؤسسة الأعمال الاجتماعية بتزنيت إلى مأزق إنساني مفتوح

العيون الآن 

 

يوسف بوصولة

 

لم يكن يتوقع المستفدين من أن تتحول شقة حصل عليها في إطار مشروع سكني اجتماعي إلى مصدر تهديد دائم بالإفراغ. فبعد أكثر من عشر سنوات على استفادته من شقة ضمن أحد المشاريع السكنية التابع لمؤسسة الأعمال الاجتماعية للأشغال العمومية بمدينة تزنيت، يجد نفسه اليوم أمام إنذارات بالأداء وإلغاء التخصيص، في مشهد يطرح أسئلة حارقة حول معنى “الاجتماعي” وحدوده.

 

القضية في ظاهرها نزاع مالي مرتبط بتسديد مبلغ متبق من ثمن الشقة. غير أن تتبع مسار الملف والاطلاع على مراسلات ووثائق وشكايات متعددة، يكشف عن اختلالات أعمق في تدبير المشروع، وغياب مقاربة تراعي هشاشة فئة من المفترض أن تكون في صلب اهتمامات مؤسسات الأعمال الاجتماعية.

 

سنة 2014 جرى تخصيص شقة لهذا “المتقاعد”، بعد أدائه تسبيقا أوليا قدره 60 ألف درهم. المشروع أُنجز فوق أرض تابعة للأملاك المخزنية، اقتنتها المؤسسة بثمن رمزي، وتقع في موقع استراتيجي بشارع الحسن الثاني أحد أهم المحاور التجارية بمدينة تزنيت.

 

غير أن المستفيد الذي يعتمد على معاش تقاعدي محدود ويعاني وضعا صحيا متدهورا، وجد نفسه عاجزا عن تسديد المبلغ المتبقي المحدد في 323.641 درهم. وهو وضع لم يكن معزولا، بل شمل فئات أخرى من المتقاعدين غير القادرين على الولوج إلى القروض البنكية.

 

منذ سنة 2017 وجه المعني بالأمر مراسلات متتالية إلى مؤسسة الأعمال الاجتماعية، ووسيط المملكة، ووزارة التجهيز، والمجلس الأعلى للحسابات، وعمالة إقليم تزنيت، إضافة إلى الديوان الملكي وديوان المظالم. المطلب ظل واحدا: تسوية أو جدولة مرنة، أو تخفيض يراعي الوضع الاجتماعي. غير أن الرد وفق ما يؤكده المعني، لم يتجاوز إنذارات بالأداء داخل آجال محددة مع التلويح بإلغاء التخصيص.

 

في رد رسمي مؤرخ في 27 دجنبر 2025، أوضحت مؤسسة الأعمال الاجتماعية أن تمويل الشقق يتم حصريا من طرف المستفيدين، وأن الإعانة السنوية المخصصة لها تصرف في التسيير والخدمات.

 

غير أن هذا التوضيح بدل أن يحسم الجدل، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: إذا كانت الأرض قد اقتنيت بثمن رمزي، فما الذي يبرر بلوغ ثمن الشقق هذه المستويات؟ وإذا كان المشروع ذا طابع اجتماعي، فأين ينعكس مبدأ التضامن في حالات التعثر القهري؟ ثم ما هو موقع الفئات الهشة داخل معادلة التدبير؟

 

أكثر النقاط إثارة للجدل في هذا الملف تتعلق بالمحلات التجارية التابعة للمشروع. فحسب ما ورد في شكايات متعددة، جرى تفويت هذه المحلات إلى أطراف خارجية، دون إشراك المنخرطين، ودون الإعلان عن مسطرة سمسرة عمومية واضحة، مع حديث عن الاستفادة من مداخيلها من طرف جهات داخل المكتب المسير.

 

وتكمن المفارقة في أن هذه المحلات تقع في قلب مدينة تزنيت، وتتمتع بقيمة تجارية مرتفعة، وكان بالإمكان استثمار عائداتها لتخفيض كلفة الشقق أو دعم المستفيدين المتعثرين. وهو ما يدفع متتبعين إلى التساؤل عما إذا كان المشروع قد انزاح، جزئيا على الأقل من منطق اجتماعي إلى منطق ريعي.

 

لا تقتصر انعكاسات هذا الوضع على حالة هذا المتقاعد وحده. فبحسب معطيات متقاطعة، أفرز المشروع نمطا متكررا: مستفيدون غير قادرين على الأداء، إنذارات بالإفراغ، بيع الشقق بأثمان منخفضة، ودخول سماسرة وتجار عقار على الخط. والنتيجة، كما يصفها متابعون، تحول تدريجي لمشروع اجتماعي إلى مخزون عقاري يدر الربح، على حساب فئات قضت سنوات طويلة في خدمة المرفق العمومي.

 

قانونيا، قد تستند المؤسسة إلى نصوص ومساطر تنظيمية. غير أن البعد الاجتماعي والأخلاقي يطرح إشكالًا موازيا: ما موقع العدالة الاجتماعية في تدبير مشاريع تحمل صفة “الأعمال الاجتماعية”؟ وأين تقف حدود المسؤولية حين يتعلق الأمر بمتقاعدين وأعوان في وضعية هشاشة؟

 

المتضررون لا يطالبون بالإعفاء الكامل من الالتزامات، بقدر ما يدعون إلى فتح تحقيق إداري ومالي مستقل حول تفويت المحلات التجارية، ونشر لوائح ومحاضر التفويت إن وجدت، ومراجعة أثمنة الشقق بما يتناسب مع كلفة الأرض والدخل الحقيقي للمستفيدين، واعتماد مقاربة إنسانية في التعامل مع حالات التعثر القهري.

 

ما يجري في مشروع “الياسمين” بتزنيت يتجاوز نزاعا ماليا عابرا. إنه اختبار حقيقي لمدى التزام مؤسسات الأعمال الاجتماعية بروح الإنصاف التي أُنشئت من أجلها، ولمدى فاعلية آليات الحكامة والمساءلة. فهل يعاد فتح هذا الملف من زاوية أوسع، أم يترك المتقاعدون وحدهم في مواجهة الانتظارات

الاخبار العاجلة