العيون الآن
الحافظ ملعين _ العيون
تتجاوز قضية الصحراء المغربية اليوم حدود التجاذبات الدبلوماسية وحسابات السياسة الإقليمية، لتطرح سؤالا إنسانيا جوهريا يتعلق بمصير آلاف الأسر التي عاشت لعقود طويلة على وقع الانتظار والانفصال عن ذويها، في مخيمات تندوف فوق أرض لحمادة القاسية. وبينما يتواصل النقاش داخل الأمم المتحدة بشأن مستقبل النزاع المفتعل، يتجدد الحضور الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، في سياق البحث عن تسوية سياسية تضع حدا لمعاناة امتدت قرابة نصف قرن، وتفتح الباب أمام مستقبل أكثر استقرارا وكرامة للساكنة المعنية.
فخلال اجتماعات اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة بنيويورك في 12 أكتوبر الجاري، أعلنت ثماني دول دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، وهي جيبوتي وجمهورية الدومينيكان وبنين والطوغو وغامبيا وسيراليون وغينيا بيساو وأنتيغوا وبربودا. وتواصلت هذه المواقف خلال اليومين المواليين، بإعلان ست دول أخرى دعمها للمقترح المغربي أو تجديد مواقفها المؤيدة له، ويتعلق الأمر بالأردن وسانت فنسنت والغرينادين ودومينيكا وغينيا الاستوائية وبوروندي وليبيريا.
وتكتسب هذه المواقف أهميتها من تنوع الدول التي عبرت عنها، سواء من القارة الإفريقية أو العالم العربي أو منطقة الكاريبي، بما يعكس استمرار حضور مبادرة الحكم الذاتي في النقاش الدبلوماسي الدولي حول مستقبل الصحراء المغربية. وفي هذا السياق، وصفت ليبيريا المقترح المغربي بأنه «الأساس الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق» لدفع العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، فيما اعتبرت سانت فنسنت والغرينادين أن المبادرة المغربية تمثل «الحل الوحيد» لتسوية النزاع الإقليمي، داعية الأطراف المعنية إلى العمل من أجل حل واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في أكتوبر 2025، الذي شكل محطة مهمة في المسار الأممي المتعلق بالصحراء. ويأتي تجدد المواقف الداعمة للمبادرة المغربية في وقت تتواصل فيه الدعوات الدولية إلى تسوية سياسية عبر المفاوضات، بما يجعل المرحلة الحالية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من التصريحات الدبلوماسية إلى خطوات عملية تفضي إلى إنهاء النزاع.
لكن خلف هذه التحركات الدبلوماسية، تظل هناك قضية إنسانية لا ينبغي أن تغيب عن طاولة المفاوضات: مصير سكان مخيمات تندوف الذين عاشوا نحو خمسين سنة في ظروف قاسية، بعيدا عن الاستقرار الذي تتطلع إليه الأجيال المتعاقبة. فبين قسوة المناخ في أرض لحمادة، وصعوبة الظروف المعيشية، واستمرار الانفصال الأسري والاجتماعي وانعدام الامن والاستقرار، تتزايد الحاجة إلى مقاربة تجعل الإنسان وحقوقه الأساسية في صلب أي حل سياسي، بعيدا عن اختزال القضية في الشعارات والمواقف المتكررة.
وبعد عقود من الانتظار، يبرز سؤال مشروع حول حصيلة الخطاب الذي رافق النزاع طوال نصف قرن، ومدى انعكاسه على الحياة اليومية لسكان المخيمات. فهل آن الأوان للانتقال من منطق التعبئة المستمرة إلى أفق سياسي يتيح للأسر الصحراوية لم شملها، ويمنح الشباب فرصا أوسع للتعليم والعمل والاستقرار، ويضع حدا لمعاناة الأمهات والآباء الذين طال انتظارهم لعودة أبنائهم؟ إن استمرار النزاع لا يعني فقط تعثر مسار سياسي، بل يعني أيضا استمرار حالة إنسانية تستحق معالجة جدية تضع كرامة الإنسان ومستقبله فوق الاعتبارات الأخرى.
ومن هذا المنطلق، يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها تصورا لتسوية سياسية تحت السيادة المغربية، يقوم على منح المنطقة تدبيرا ذاتيا لشؤونها في إطار المؤسسات الوطنية، مع الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة. ويرى مؤيدو هذا المقترح أنه يوفر أرضية للتفاوض حول ترتيبات سياسية ومؤسساتية قابلة للتطبيق، تتيح للسكان المشاركة في تدبير شؤونهم، وتعزز فرص التنمية والاستقرار. وفي المقابل، يبقى التوصل إلى تسوية نهائية رهينا بالمفاوضات وبمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط الجدي في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
وتتصل الأبعاد الإنسانية للنزاع المفتعل كذلك بمسألة استغلاله سياسيا وإطالة أمده، وهي مسألة تثيرها الرباط في خطابها الدبلوماسي تجاه جبهة البوليساريو والجزائر. فمن وجهة النظر المغربية، فإن استمرار النزاع يعرقل بناء فضاء مغاربي متكامل، ويؤخر فرص التعاون الاقتصادي والتنموي، كما يبقي سكان المنطقة رهائن وضع إقليمي لم ينجح، طوال عقود، في الوصول إلى تسوية نهائية. وفي المقابل، تظل حماية الحقوق الإنسانية، وضمان حرية الاختيار في إطار التسوية المتفاوض بشأنها، وتحسين ظروف العيش، من القضايا التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في أي مسار سياسي جاد.
ولا ينفصل هذا البعد الإنساني عن التحركات الدبلوماسية المتسارعة التي تشهدها القضية. فقد أفادت تقارير حديثة بوجود تنسيق متواصل بين الولايات المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، بهدف تهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا. وتكتسي مشاركة الأطراف المعنية أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى معالجة أسباب استمرار النزاع، والانتقال إلى نقاش عملي بشأن ترتيبات التسوية وضمانات تنفيذها، بدلا من الاكتفاء بتبادل المواقف السياسية.
ووفقا للمعطيات الواردة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، أعد المغرب مشروعا مفصلا لنظام أساسي للحكم الذاتي، يطور المبادرة التي قدمتها المملكة سنة 2007، ووزعه في يناير الماضي على الأطراف المعنية والولايات المتحدة والأمم المتحدة. وتشير المعطيات المتعلقة بالمناقشات التي احتضنتها واشنطن ومدريد خلال السنة الجارية إلى أن النقاش لم يقتصر على المبدأ السياسي للحكم الذاتي، بل شمل أيضا ترتيبات التطبيق والضمانات الدولية وآليات التنفيذ وتقاسم الموارد والجوانب الأمنية والانتخابات.
وفي السياق ذاته، طرح دي ميستورا معايير تتعلق بمدى استيفاء الصيغة المقترحة للحكم الذاتي للمعايير الدولية، بما يجعل التفاصيل المؤسساتية وآليات التنفيذ من الملفات التي ينتظر أن تحظى باهتمام خلال أي جولة تفاوضية مقبلة. ويعكس هذا المسار أهمية الانتقال من النقاش العام حول المبادرات السياسية إلى بحث الضمانات العملية التي يمكن أن تجعل التسوية قابلة للتنفيذ والاستمرار، مع مراعاة المصالح المشروعة للأطراف المعنية وحقوق السكان ومستقبلهم.
وعلى مستوى المواقف الدولية، رصد تقرير غوتيريش تطورات عدة منذ اعتماد القرار 2797، من بينها تحديث الموقف الجماعي للاتحاد الأوروبي في يناير 2026، بما يجعل المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات، إلى جانب إعلان السويد وسويسرا دعمهما للمقترح. كما أشار التقرير إلى تجديد كندا واليابان ومدغشقر دعمها للمبادرة المغربية، وإلى تعليق مالي وهندوراس اعترافهما بالكيان الذي تعلنه جبهة البوليساريو، فضلا عن تعليق بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية معه. وتضيف هذه التطورات عناصر جديدة إلى المشهد الدبلوماسي المحيط بالنزاع، قبيل اجتماع مجلس الأمن المرتقب في 31 أكتوبر الجاري.
ويشكل مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، المعروفة اختصارا باسم «المينورسو»، أحد الملفات المطروحة في هذه المرحلة، مع اقتراب انتهاء ولايتها الحالية. وفي هذا الإطار، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة: أولها تمديد ولاية البعثة سنة كاملة، بما يسمح باستمرار مهامها الحالية وإتاحة وقت إضافي للمسار السياسي؛ وثانيها تمديدها ستة أشهر، في إطار مراجعة التطورات وربط القرارات اللاحقة بما يتحقق من تقدم؛ أما السيناريو الثالث فيتمثل في تمديد الولاية مع توجيه رسائل سياسية أكثر وضوحا بشأن ضرورة استئناف المفاوضات، والدعوة إلى انخراط الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزائر، في الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية دائمة. وتظل هذه السيناريوهات احتمالات تحليلية، وليست قرارات مؤكدة أو مواقف نهائية لمجلس الأمن.
وقبيل اجتماع 31 أكتوبر، ستتجه الأنظار إلى ثلاثة مؤشرات رئيسية: أولها دور الولايات المتحدة، بصفتها صاحبة القلم في إعداد مشروع القرار، ومدى قدرتها على الدفع نحو استئناف المفاوضات على أساس المبادرة المغربية؛ وثانيها طبيعة الصياغة السياسية للقرار المقبل، وما إذا كان سيقتصر على تمديد ولاية «المينورسو» أم سيتضمن رسائل إضافية بشأن المسار التفاوضي؛ وثالثها مستقبل البعثة الأممية ومهامها، وما إذا كانت ستستمر وفق صيغتها الحالية أو ستخضع لمراجعة في ضوء تطورات العملية السياسية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن اختزال مستقبل الصحراء المغربية في عدد الدول التي تعلن دعمها لهذا المقترح أو ذاك، ولا في مخرجات الاجتماعات الدبلوماسية وحدها، لأن جوهر التسوية يظل مرتبطا بقدرتها على إنهاء نزاع طال أمده، وفتح الطريق أمام الاستقرار والتنمية ولم شمل العائلات. فبعد خمسين سنة من الانتظار، لا يتعلق السؤال بمستقبل الحدود والمفاوضات فحسب، بل أيضا بمستقبل أجيال نشأت في مخيمات تندوف ولم تعرف سوى واقع النزاع والعيش في ظروف قاسية.
وبين خيار مواصلة الانتظار في أرض لحمادة لعقود أخرى، وخيار الانخراط في مسار سياسي جاد يبحث عن تسوية دائمة، تبرز الحاجة إلى وضع المعاناة الإنسانية في صدارة الأولويات، والعمل على إيجاد حل يحفظ الكرامة ويتيح آفاقا أوسع للمستقبل. ومن هنا، فإن أي تقدم نحو التسوية ينبغي أن يقاس، إلى جانب نتائجه الدبلوماسية، بقدرته على تقريب موعد لم شمل الأسر، وتحسين ظروف العيش، وفتح آفاق التنمية أمام سكان المنطقة، حتى لا يتحول نصف القرن الماضي إلى انتظار لنصف قرن آخر.











