كولومبيا تطوي «السحابة العابرة» وتفتح صفحة جديدة مع المغرب.. فريدة لوداية تفكك رهانات الاعتراف بمغربية الصحراء

محرر مقالات13 أغسطس 2026
كولومبيا تطوي «السحابة العابرة» وتفتح صفحة جديدة مع المغرب.. فريدة لوداية تفكك رهانات الاعتراف بمغربية الصحراء

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

 

طوت جمهورية كولومبيا مرحلة سياسية وإيديولوجية طبعت عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو، وأعلنت انتقالا نوعيا في موقفها من قضية الصحراء المغربية، ذالك عبر الاعتراف الصريح بسيادة المملكة المغربية على صحرائها بالتزامن مع سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي.

 

هذا التحول وفق قراءة السفيرة المغربية لدى كولومبيا والإكوادور فريدة لوداية، يتجاوز كونه تعديل ظرفي في الموقف الدبلوماسي لبوغوتا، وإنما يمثل في تقديرها عودة للعلاقات المغربية الكولومبية إلى مسارها الطبيعي، بعد فترة اعتبرتها «سحابة صيف» ارتبطت أساسا بالخيارات الشخصية للرئيس السابق غوستافو بيترو.

 

تكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تأتي بعد عقود من العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وبوغوتا، ومن مرحلة شهدت في السنوات الأخيرة توتراً سياسيا بسبب قرار حكومة بيترو استعادة العلاقات مع «الجمهورية الصحراوية»، قبل أن تعود المؤسسات الكولومبية نفسها إلى ممارسة ضغط سياسي واضح على الحكومة من أجل مراجعة هذا التوجه.

 

وتعود العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وكولومبيا إلى سنة 1979، فيما أعادت بوغوتا فتح بعثتها الدبلوماسية في الرباط سنة 2013. كما عرفت العلاقات الثنائية خلال السنوات التي سبقت وصول بيترو إلى الحكم دينامية سياسية واقتصادية وأكاديمية متنامية، وهو المسار الذي ساهمت السفيرة فريدة لوداية الموجودة في بوغوتا منذ 2017 في مواكبته وتعزيزه.

 

في هذا السياق أجرت Le360 حوارا مع السفيرة المغربية قدمت خلاله قراءة موسعة لخلفيات التحول الكولومبي، وأبعاده السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، فضلا عن رهاناته بالنسبة للعلاقات المغربية مع أمريكا اللاتينية.

 

تضع فريدة لوداية مرحلة غوستافو بيترو في سياق استثنائي معتبرة أن الموقف الذي تبنته إدارته تجاه قضية الصحراء كان «مجرد سحابة صيف طارئة»، ظهرت مع وصوله إلى السلطة وانتهت مع مغادرته لها.

 

وتستند السفيرة في هذه القراءة إلى طبيعة العلاقات التي جمعت الرباط وبوغوتا خلال السنوات السابقة، خصوصا في عهدي الرئيسين خوان مانويل سانتوس وإيفان دوكي حيث شهدت العلاقات المغربية الكولومبية تقاربا سياسيا ومؤسساتيا ملحوظا.

 

وترى لوداية أن قرار الإدارة السابقة لم يكن تعبيرا عن توجه حكومي كولومبي ناضج ومستقر، بقدر ما كان حسب توصيفها «مبادرة شخصية» للرئيس بيترو، ارتبطت بميوله الإيديولوجية القديمة تجاه «البوليساريو» والتي تعود إلى ماضيه ضمن حركة «M19».

 

وتعتبر أن التبريرات التي قدمتها الإدارة السابقة لموقفها لم تكن كافية لتفسير قرار بهذه الحساسية، خصوصا في ظل التداعيات السياسية والاقتصادية التي كان يمكن أن تترتب عليه بالنسبة للعلاقات مع المغرب.

 

أحد أبرز المعطيات التي تستحضرها السفيرة المغربية لتفسير التحول الحالي يتمثل في المعارضة التي واجه بها قرار بيترو داخل المؤسسات الكولومبية.

 

فخلال سنتي 2022 و2023 نجحت الجهود المغربية وفق لوداية في استصدار مواقف داعمة للمملكة داخل الكونغرس الكولومبي، بما عكس وجود فارق واضح بين خيار السلطة التنفيذية آنذاك وبين مواقف جزء واسع من الطبقة السياسية والمؤسساتية في البلاد.

 

وقد سبق للكونغرس الكولومبي أن شهد في أكتوبر 2022 توقيع عشرات أعضاء مجلس الشيوخ على مذكرة ترفض قرار حكومة بيترو استعادة العلاقات مع الكيان الانفصالي، فيما تواصلت التحركات البرلمانية الرافضة لهذا التوجه خلال 2023. كما تبنى مجلس الشيوخ لاحقا موقفا جديدا داعما للسيادة المغربية على الصحراء.

 

وتشير هذه الوقائع إلى أن الموقف الذي اتخذته حكومة بيترو لم يكن يحظى بإجماع داخلي، وهو ما يجعل التحول الحالي في قراءة السفيرة، أقرب إلى إعادة تموضع للموقف الرسمي بما ينسجم مع اتجاهات مؤسساتية وسياسية كانت حاضرة داخل كولومبيا منذ البداية.

 

ولا تتوقف أهمية التحول الجديد بحسب فريدة لوداية عند حدود الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، بل تكمن أيضا في التسلسل الذي رافق القرار.

 

فالموقف الكولومبي الجديد يجمع وفق قراءة السفيرة، بين الاعتراف الصريح بسيادة المغرب على صحرائه، وتجميد العلاقات مع «الجمهورية الوهمية»، ووقف أي تواصل سياسي أو دبلوماسي معها، فضلا عن عدم دعمها داخل المحافل الدولية.

 

وهنا ترى لوداية أن الأمر يتجاوز التصريحات الظرفية ليؤسس لما تصفه بـ«عقيدة دبلوماسية كولومبية» واضحة تجاه قضية الصحراء المغربية.

 

وتزداد أهمية هذا الموقف بحسب السفيرة بالنظر إلى عضوية كولومبيا غير الدائمة في مجلس الأمن، معتبرة أن وجودها داخل هذه المؤسسة الأممية خلال المرحلة المقبلة يمثل فرصة استراتيجية بالنسبة للمغرب.

 

وترفض السفيرة اختزال التحول الكولومبي في مقاربة أحادية مرتبطة بالتوازنات الدولية، إذ تضعه ضمن مسار أوسع لإعادة بناء العلاقات بين البلدين. وتشير إلى أن المسؤولين الكولومبيين الجدد تحدثوا صراحة عن «بداية جديدة» مع المغرب، وعن الرغبة في بناء شراكة استراتيجية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية.

 

وتتحدث لوداية عن رغبة كولومبية في إدراج المغرب ضمن أولى البعثات الاقتصادية الدولية التي ستنظمها الحكومة الجديدة، باعتبار المملكة شريكا استراتيجيا مفضلا في القارة الإفريقية.

 

ومن هنا فإن قضية الصحراء في القراءة التي تقدمها السفيرة لا تنفصل عن إعادة صياغة المصالح الاستراتيجية بين الرباط وبوغوتا.

 

في الجانب الاقتصادي تبرز عدة قطاعات يمكن أن تشكل قاعدة للشراكة الجديدة، من بينها التجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي والموانئ والخدمات اللوجستية.

 

وتولي كولومبيا وفق لوداية أهمية خاصة للموقع الاستراتيجي للمغرب، باعتباره بوابة نحو إفريقيا مستفيدة من التجربة المغربية في الربط اللوجستي والبنية التحتية.

 

وفي هذا السياق تستحضر السفيرة تجربة ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح في نظرها أحد أبرز عناصر الجاذبية بالنسبة للفاعلين الاقتصاديين الكولومبيين، إلى جانب ما يمكن أن يتيحه مشروع ميناء الداخلة الأطلسي مستقبلا من إمكانات جديدة للربط بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

 

وهنا يتقاطع التقارب المغربي الكولومبي مع المبادرة الملكية الأطلسية، التي تفتح، بحسب القراءة المقدمة في الحوار إمكانات أوسع لبناء جسور اقتصادية ولوجستية بين الضفتين الأطلسيتين.

 

اللافت في التحول الحالي أن المسؤولين الكولومبيين أنفسهم يربطون الموقف السياسي الجديد بإعادة إطلاق التعاون الاقتصادي.

 

وهذا ما يجعل الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء جزءا من حزمة أوسع لإعادة بناء العلاقة الثنائية، وليس قرارا منفصلا عن المصالح الاستراتيجية للبلدين.

 

فالمغرب ينظر إلى كولومبيا باعتبارها بوابة مهمة إلى أمريكا اللاتينية، بينما ترى بوغوتا في المملكة شريكا يمكن أن يساعدها على تعزيز حضورها في الأسواق الإفريقية والعربية.

 

وبذلك يمكن أن تتحول العلاقة بين البلدين من علاقة دبلوماسية تقليدية إلى شراكة تقوم على تبادل الأدوار الجيو اقتصادية: المغرب منصة إفريقية بالنسبة لكولومبيا، وكولومبيا منصة لاتينية بالنسبة للمغرب.

 

لا تختزل فريدة لوداية مستقبل العلاقات الثنائية في السياسة والاقتصاد، بل تعطي أهمية كبيرة للبعد الثقافي والإنساني. وتستحضر في هذا الصدد إلغاء التأشيرات بين البلدين، باعتباره خطوة ساهمت في تسهيل حركة الأشخاص ورجال الأعمال والسياح، فضلا عن المبادرات الثقافية والأكاديمية التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية.

 

كما تشير إلى الدور الذي يمكن أن تضطلع به وزيرة الثقافة الكولومبية الجديدة باولا هولغين، في إطلاق مشاريع ثقافية مشتركة، بالنظر إلى اهتمامها بالمغرب ودفاعها السابق عن تطوير العلاقات بين البلدين.

 

وترى السفيرة أن الثقافة يمكن أن تكون إحدى أدوات الدبلوماسية الناعمة لتصحيح الصور النمطية وتعزيز المعرفة المتبادلة بين المجتمعين.

 

وتستحضر فريدة لوداية تجربتها الممتدة لنحو عشر سنوات في كولومبيا، مشيرة إلى أن مهمتها بدأت في سياق كانت فيه المعرفة المتبادلة بين البلدين محدودة، وكانت بعض الأحكام المسبقة تؤثر على صورة كل طرف لدى الآخر.

 

وتقول إن السفارة اشتغلت خلال هذه الفترة على بناء جسور مع المؤسسات السياسية والجامعات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني والقطاع الثقافي.

 

ومن أبرز المحطات التي تستحضرها السفيرة استضافة المغرب كأول ضيف شرف في معرض «Expoartesanías»، أكبر صالون للصناعة التقليدية في كولومبيا، إلى جانب تنظيم محاضرات ولقاءات فكرية وثقافية قدمتها كفاءات مغربية خصوصا النساء منها.

 

وبالنسبة إليها لم تكن هذه الأنشطة هامشية، بل شكلت جزءا من عمل دبلوماسي طويل المدى هدفه بناء صورة أكثر دقة عن المغرب لدى الأجيال الكولومبية الجديدة.

 

في المحصلة تقدم فريدة لوداية التحول الكولومبي باعتباره حلقة جديدة في مسار أوسع تعرفه العلاقات المغربية مع أمريكا اللاتينية. فالمسألة وفق هذه القراءة، لا تتعلق بمجرد إضافة دولة إلى قائمة الدول الداعمة للموقف المغربي، وإنما بانتقال موقف دولة ذات وزن إقليمي من مرحلة اتسمت بتباين سياسي وإيديولوجي إلى موقف رسمي أكثر وضوحا تجاه سيادة المغرب على صحرائه.

 

وإذا كان قرار حكومة غوستافو بيترو سنة 2022 قد أحدث أزمة في العلاقات الثنائية وأثار اعتراضات داخل المؤسسات الكولومبية، فإن التحول الحالي يعيد الاعتبار إلى المسار الذي كانت قد قطعته العلاقات المغربية الكولومبية قبل تلك المرحلة.

 

والأهم أن هذا التحول يأتي في لحظة تتسع فيها الشراكات المغربية مع قوى دولية وإقليمية على أساس المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، بما يجعل قضية الصحراء جزءا من منظومة أوسع من التحالفات والشراكات.

الاخبار العاجلة