غالي يرفض الحكم الذاتي.. هل تعود البوليساريو إلى نقطة الصفر؟

محرر مقالات5 سبتمبر 2026
غالي يرفض الحكم الذاتي.. هل تعود البوليساريو إلى نقطة الصفر؟

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

جدد إبراهيم غالي الأمين العام لجبهة البوليساريو رفضه لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه المملكة المغربية باعتباره أساسا لتسوية نزاع الصحراء، مؤكدا تمسك الجبهة بما يسميه “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال”.

وجاء موقف غالي في وقت دخل فيه المسار الأممي مرحلة مختلفة منذ اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار 2797 في أكتوبر 2025، وما أعقبه من لقاءات تشاورية شاركت فيها أطراف النزاع برعاية الأمم المتحدة وبحضور أمريكي.

وقال غالي خلال اجتماع للأمانة العامة لجبهة البوليساريو، إن الجبهة شاركت في اللقاءات التي أعقبت القرار الأممي، وانخرطت فيها بحسب روايته” “بحسن نية” مستندة إلى مبادئ القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

غير أن اللافت في التصريحات الأخيرة هو عودة قيادة الجبهة إلى التشديد على أن أي تسوية لا تمر عبر ما تسميه “قناة تقرير المصير” لا يمكن أن تكون حلا نهائيا للنزاع، مع الدعوة إلى عملية “حرة وشفافة وديمقراطية”.

يأتي ذلك بينما تحاول الأمم المتحدة والولايات المتحدة دفع الأطراف نحو مسار تفاوضي جديد، في ظل تغير واضح في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالملف.

شكل قرار مجلس الأمن 2797 محطة مفصلية في مسار الملف بعدما مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” إلى 31 أكتوبر 2026، ودفع باتجاه استئناف المفاوضات على أساس البحث عن حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الأطراف.

وفي مداخلات لاحقة جرى التأكيد داخل مجلس الأمن على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل أساسا قابلا للتفاوض، مع الإشارة إلى أنها لا تغلق الباب أمام التوصل إلى تسوية عبر التفاوض ولا تفرض نتيجة مسبقة.

وهنا تظهر المفارقة في موقف البوليساريو: فالجبهة شاركت في اللقاءات التشاورية التي أعقبت القرار وفق ما تؤكده تصريحات قيادتها نفسها، لكنها في الوقت ذاته تواصل الإعلان عن رفضها لمقترح الحكم الذاتي والتمسك بخيار الاستقلال.

فهل يعني ذلك أن المشاركة في المفاوضات أصبحت بالنسبة إلى الجبهة مجرد وسيلة لإدارة المسار، دون استعداد حقيقي لتوسيع مساحة التوافق حول مضمون الحل؟

تستند البوليساريو في خطابها إلى مفهوم تقرير المصير باعتباره الطريق الوحيد للحل وتربطه صراحة بخيار الاستقلال.

لكن النقاش الأممي خلال السنوات الأخيرة أظهر أن تقرير المصير لا يختزل بالضرورة في نتيجة واحدة، وأن التسوية السياسية يمكن أن تتخذ أشكالا مختلفة وفق طبيعة كل نزاع، وهو ما ظهر أيضا في مداخلات داخل مجلس الأمن عقب اعتماد القرار 2797.

وبذلك فإن جوهر الخلاف لم يعد فقط حول مبدأ تقرير المصير، وإنما حول الكيفية التي يمكن من خلالها ممارسة هذا المبدأ، وما إذا كان الحل النهائي سيأتي نتيجة تفاوض وتسوية سياسية، أم سيبقى مرتبطا حصرا بخيار الاستقلال الذي تضعه البوليساريو شرطا مسبقا.

لم تكن تصريحات غالي الأخيرة معزولة عن مواقفه السابقة. فمنذ اعتماد القرار 2797 كرر أكثر من مرة أن الجبهة تعتبر تقرير المصير والاستقلال أساسا لا يمكن التنازل عنه، رغم إقراره بمشاركة البوليساريو في اللقاءات التي أعقبت القرار.

وفي غشت الماضي شدد غالي مرة أخرى على أن أي حل عادل ونهائي، من وجهة نظر الجبهة، يجب أن يضمن ما وصفه بالحق “غير القابل للتصرف” في تقرير المصير والاستقلال.

غير أن تكرار الموقف نفسه لا يغير بالضرورة من معادلة التفاوض. فالمسار الدولي يتحرك في اتجاه البحث عن تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، بينما تحاول البوليساريو إبقاء سقف الحل عند خيار واحد.

وهنا تكمن إحدى أبرز معضلات المرحلة المقبلة: كيف يمكن بناء تسوية سياسية إذا ظل أحد أطراف النزاع يعتبر نتيجة معينة شرطا مسبقا للتفاوض؟

تكتسب هذه التصريحات أهمية أكبر مع اقتراب أكتوبر موعد انتهاء الولاية الحالية لـ”المينورسو” وعودة مجلس الأمن إلى مناقشة الملف. فالمسألة لن تتعلق فقط بتجديد ولاية البعثة الأممية وإنما أيضا بمدى قدرة المسار الذي أعقب القرار 2797 على تحقيق تقدم فعلي في المفاوضات.

ومع استمرار الرباط في الدفاع عن الحكم الذاتي باعتباره الحل السياسي الواقعي والعملي، وتمسك البوليساريو بخيار تقرير المصير المرتبط بالاستقلال، ستجد الأمم المتحدة نفسها أمام معادلة واضحة: دفع الطرفين نحو تسوية سياسية تقوم على التفاوض والتوافق، أو استمرار الفجوة بين سقفين تفاوضيين لا يزالان متباعدين.

وبينما تقول البوليساريو إنها شاركت في المشاورات “بحسن نية” فإن رفضها المتجدد لمقترح الحكم الذاتي يطرح السؤال حول حجم المساحة التي باتت مستعدة فعلياً لتركها للتفاوض.

ومع اقتراب محطة أكتوبر، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت البوليساريو ستكرر رفضها للحكم الذاتي؛ فقد أصبح ذلك جزءا ثابتا من خطابها.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الجبهة الانتقال من إعلان ما ترفضه إلى طرح صيغة قابلة للتفاوض داخل المسار الذي أعاد مجلس الأمن رسم قواعده منذ القرار 2797؟

 

 

الاخبار العاجلة