العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في تطور يعكس ملامح انقسام متنام داخل هرم قيادة جبهة البوليساريو، برز خلاف واضح في المواقف بشأن القرار الأممي 2797 ومسار إحياء المفاوضات، وذلك عقب تصريحات متباينة صدرت في الأيام الأخيرة عن قيادات بارزة بالجبهة من داخل الجزائر ومخيمات تندوف، ويكتسي هذا التباين أهمية خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات التنظيمية للجبهة، وتزايد الضغوط الدولية لإعادة إطلاق العملية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة.
في الوقت الذي عبر فيه كل من “وزير الخارجية” بالجبهة محمد يسلم بيسط وزعيمها إبراهيم غالي، عن إشادة واضحة بالجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة بعث المحادثات وفق مقتضيات القرار 2797، خرج بشير مصطفى السيد، الذي تمت ترقيته حديثا إلى رئاسة ما يسمى “البرلمان الصحراوي”، بموقف مغاير تماما.
ففي مقابلة مع صحيفة جزائرية، اعتبر السيد أن القرار الأممي الأخير “لا يلبي تطلعات الشعب الصحراوي فيما يتعلق بالاستقلال والتحرر”، في موقف يعاكس الخطاب الرسمي الذي بدأ يميل إلى التفاعل الإيجابي مع المبادرات الدولية، غير أنه في المقابل أشاد بما وصفه بـ“التحركات الدبلوماسية الجزائرية” الساعية إلى مراجعة القرار أو الدفع نحو إلغائه.
هذا التناقض بين رفض القرار الأممي من جهة، والإشادة بالتحركات الجزائرية من جهة أخرى، يعكس ازدواجية خطاب تحاول من خلالها بعض القيادات التوفيق بين متطلبات الداخل وضغوط الحليف الإقليمي.
تأتي هذه التصريحات في سياق داخلي حساس تعيشه الجبهة، مع اقتراب المؤتمر العام المرتقب تنظيمه أواخر سنة 2026 أو مطلع 2027، وهو موعد يشكل محطة مفصلية لإعادة ترتيب موازين القوى داخل القيادة.
وتشير المعطيات إلى أن بشير مصطفى السيد يسعى من خلال هذا الخطاب المتشدد، إلى تعزيز موقعه داخل القاعدة الاجتماعية في مخيمات تندوف، خصوصا في أوساط الفئات التي تعارض نهج إبراهيم غالي وتنتقد ما تعتبره “مرونة مفرطة” تجاه المبادرات الدولية.
كما تحمل تصريحات السيد رسائل غير مباشرة إلى صانع القرار في الجزائر، عبر الإشادة بالدور الدبلوماسي الجزائري، في محاولة لاستعادة ثقة فقدها منذ سنوات، خاصة بعد واقعة تعود إلى سنة 2000، حين اقترح على الولايات المتحدة إنشاء قاعدة عسكرية في المنطقة في حال سيطرة الجبهة عليها، وهو المقترح الذي كلفه آنذاك التهميش والإبعاد من دوائر القرار.
في المقابل يعكس موقف محمد يسلم بيسط، الذي وصف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “الأولى التي تبذل جهدا حقيقيا وجديرا بالثناء لتقريب وجهات النظر”، توجها مغايرا داخل القيادة يقوم على الانخراط في الدينامية الدولية الحالية، واستثمار الحركية التي تقودها واشنطن لإعادة إطلاق المفاوضات المباشرة.
ويفهم من هذا التباين أن الجبهة تعيش على إيقاع صراع بين خطين الأول براغماتي يميل إلى التفاعل مع المبادرات الدولية ومحاولة كسب الوقت السياسي، والثاني تصعيدي يسعى إلى شد القاعدة الداخلية عبر خطاب رافض لأي مقاربة لا تنسجم مع الطرح التقليدي.
هذا التباين في الخطاب قد تكون له انعكاسات مباشرة على تماسك الجبهة ووحدة قرارها السياسي، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية متحركة، تتزايد فيها الدعوات إلى تسوية واقعية للنزاع تحت مظلة الأمم المتحدة.
كما قد ينعكس هذا الانقسام على قدرة الجبهة في التفاوض، إذ إن تعدد الرسائل وتناقضها يضعف من وضوح الرؤية لدى الأطراف الدولية، ويطرح تساؤلات حول الجهة المخولة فعليا بصياغة القرار داخل هياكلها.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مرحلة إعادة تشكل داخل قيادة البوليساريو، تتداخل فيها الحسابات الشخصية مع التوازنات الإقليمية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المؤتمر القادم باعتباره محطة حاسمة قد تعيد رسم ملامح القيادة وخياراتها الاستراتيجية.











