العيون الآن.
يوسف بوصولة
في خطوة مثيرة للتساؤلات حل وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي على رأس وفد عسكري رفيع المستوى بالعاصمة الجزائر حيث تم استقباله من طرف رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة، وجرى التوقيع في ختام اللقاء على اتفاقية تعاون في مجال الدفاع بين الجانبين.
الزيارة التي تأتي في خضم تطورات إقليمية متسارعة خاصة فيما يتعلق بملف الصحراء المغربية تطرح علامات استفهام حول توقيتها وأهدافها الحقيقية، في ظل الحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوده المغرب في القارة الإفريقية وما يرافقه من اعترافات متزايدة بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية.
الخطاب الرسمي الجزائري كما عبر عنه شنقريحة ركّز على “التحديات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية التي تواجه المنطقة”، داعيا إلى تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات. غير أن مراقبين يرون في هذه الزيارة محاولة من الجزائر لكسر عزلتها الإقليمية والدولية عبر نسج تحالفات جديدة مع موريتانيا، يخشى أن تكون على حساب علاقاتها المتوازنة مع المغرب.
فالرباط ونواكشوط شهدتا في الفترة الأخيرة تقاربا ملموسا ترجم عبر سلسلة اتفاقيات اقتصادية وتجارية كان آخرها اتفاق للربط الكهربائي، ما عزز الانطباع بوجود وعي موريتاني متزايد بأهمية التنسيق مع المغرب كشريك استراتيجي مستقر في المنطقة.
زيارة الوفد العسكري الموريتاني إلى الجزائر تأتي كذلك على خلفية أزمة متصاعدة بين الجزائر ودول الساحل، بعد حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية على الحدود، ما فجر توترا دبلوماسيا غير مسبوق، توج باستدعاء سفراء مالي والنيجر وبوركينافاسو من الجزائر ما يضع نواكشوط أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على حيادها الإقليمي، أو الارتماء في أحضان طرف بات معزولا عن محيطه الإفريقي والدولي.
أخطر ما في الزيارة ليس التعاون العسكري في حد ذاته بل احتمال توظيفه لتعزيز موقف الجزائر في ملف الصحراء المغربية، خاصة في ظل المعطيات المتواترة حول تساهل موريتاني ميداني مع تحركات عناصر “البوليساريو” على أراضيها، ما قد يفهم كنوع من الدعم الضمني للجبهة الانفصالية.
وفي وقت تتجه فيه بوصلات العواصم الإفريقية والعالمية نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربي، تظل مواقف بعض الأطراف مبهمة بين حياد غير معلن وانخراط غير مباشر في مشاريع إقليمية لا تنسجم مع الحل السلمي والسياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة.
الزيارة الموريتانية إلى الجزائر في هذا التوقيت الحرج لا يمكن عزلها عن السياقات الإقليمية الراهنة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في موقف المجتمع الدولي من قضية الصحراء. ومن شأن أي انحياز محتمل أن يقوض التقدم الذي عرفته العلاقات المغربية الموريتانية ويبعث برسائل سلبية لا تخدم استقرار المنطقة.
فهل ستكون نواكشوط قادرة على الحفاظ على موقعها المتوازن، أم أن ضغوط الجزائر ستدفعها إلى خيارات تضعها في مواجهة مع عمقها الاستراتيجي الحقيقي؟












