العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في خطوة دبلوماسية تحمل أكثر من دلالة، أعلنت الجزائر استدعاء سفيرها لدى مالي للتشاور، مباشرة عقب إعلان باماكو دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وسحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، غير أن هذا التحرك، بدل أن يقرأ كإجراء سيادي معزول، أعاد إلى الواجهة تناقضا صارخا في الخطاب الجزائري، بين ما يعلن وما يمارس على أرض الواقع.
الموقف المالي لم يكن مجرد إعلان دبلوماسي عابر، بل يمثل حلقة جديدة في سلسلة تحولات متسارعة داخل القارة الإفريقية، حيث تتزايد القناعة بواقعية مقترح الحكم الذاتي كأفق لتسوية النزاع، غير أن الرد الجزائري المتمثل في استدعاء السفير، بدا محدود الأثر وذا طابع انتقائي، خصوصا أنه لم يسجل إزاء مواقف مماثلة أو أكثر تأثيرا صادرة عن قوى دولية وازنة.
هذا الانتقاء في ردود الفعل يطرح إشكالا جوهريا هل يتعلق الأمر بمبدأ ثابت، أم بحسابات ظرفية تكيف المواقف وفق موازين القوة لا وفق منطق السيادة الذي يرفع كشعار ؟
لطالما شددت الجزائر على أنها “ليست طرفا” في النزاع، مقدمة نفسها كدولة جوار تلتزم الحياد، غير أن تواتر ردود الفعل الرسمية واستدعاء السفراء والانخراط المتكرر في تفاصيل الملف، كلها مؤشرات تفكك هذا الادعاء وتضعه أمام اختبار المصداقية، فالتحرك السريع تجاه مالي، مقابل الصمت أو التحفظ إزاء مواقف دولية أخرى، يعكس ازدواجية في التعاطي، ويكرس صورة دبلوماسية تتحرك بمنطق الانتقائية، لا بثبات الموقف أو اتساقه.
التحولات الأخيرة وعلى رأسها القرار المالي، تؤكد أن الطرح الانفصالي يواجه تآكلا متزايدا في الدعم، سواء داخل إفريقيا أو خارجها ومع كل إعلان جديد بسحب الاعتراف أو دعم مبادرة الحكم الذاتي، يتقلص الهامش السياسي لهذا الطرح، وتتسع دائرة القبول بحل قائم على السيادة المغربية، وفي هذا السياق تبدو ردود الفعل المتشنجة أقرب إلى محاولة احتواء الخسائر، بدل القدرة على عكس مسار يتجه بشكل متسارع، نحو إعادة تشكيل الإجماع الدولي، تزامن هذه التطورات مع استمرار تنظيم عروض عسكرية لجبهة البوليساريو على الأراضي الجزائرية يمنح المشهد بعدا رمزيا لافتا، ففي الوقت الذي تتراجع فيه الاعترافات وتتغير المواقف، تبدو هذه العروض أقرب إلى استعراضات شكلية، تعكس فجوة متزايدة بين الخطاب التعبوي والواقع السياسي المتحول.
المؤشرات الحالية لا توحي بوقوف هذا المسار عند حدود مالي أو غيرها، بل ترجح استمرار انخراط دول أخرى في مراجعة مواقفها، في ضوء التحولات الجيوسياسية والرهانات الإقليمية، وهو ما يضع الأطراف المعنية أمام مرحلة دقيقة، عنوانها الأبرز إعادة التموضع أو مواجهة مزيد من العزلة.
ما جرى بين الجزائر ومالي يتجاوز في جوهره إجراء دبلوماسيا تقنيا، ليكشف عن اختلال عميق في تماسك الخطاب الجزائري إزاء قضية الصحراء، بين إعلان الحياد وممارسة الفعل، وبين رفع شعار عدم التدخل والانخراط الميداني تتسع فجوة التناقض، في وقت تتجه فيه موازين الدعم الدولي نحو مقاربة أكثر واقعية إنها لحظة كاشفة، لا تعري فقط رد فعل ظرفي، بل تضع سردية كاملة أمام اختبار الحقيقة.











