العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
قبل يومين فقط من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر اختارت وكالة الأنباء الجزائرية تقديم صورة عن الأقاليم الجنوبية مفادها أن ساكنتها تتجه إلى مقاطعة الاقتراع وترفض المشاركة في المؤسسات المنتخبة.
غير أن ما يجري ميدانيا في العيون والسمارة وبوجدور والداخلة خلال الحملة الانتخابية يقدم مشهدا مختلفا تماما: أحزاب تتنافس، مرشحون يجوبون الأحياء، تجمعات جماهيرية، قبائل تعقد لقاءاتها، وشباب ونساء وأعيان يشاركون في نقاش انتخابي مفتوح حول من سيمثلهم داخل مجلس النواب.
وهكذا تبدو الفجوة واضحة بين سردية المقاطعة التي تروج لها الجزائر، وبين واقع انتخابي تعيشه مدن الصحراء منذ انطلاق الحملة.
ففي العيون كبرى حواضر الأقاليم الجنوبية دخلت الأحزاب السياسية المرحلة الأخيرة من الحملة وسط تنافس قوي شمل التجمعات الجماهيرية واللقاءات المباشرة داخل الأحياء والتواصل الرقمي والتعبئة التنظيمية والاجتماعية والقبلية.
لم يقتصر الأمر على حزب أو تيار بعينه بل شمل طيفا واسعاً من القوى السياسية، بما يؤكد أن الخلاف داخل الصحراء اليوم يدور بدرجة كبيرة حول من سيمثل المواطنين داخل المؤسسات، وبأي برنامج، وبأي قدرة على الدفاع عن مصالحهم، لا حول أصل المشاركة في العملية الانتخابية.
ويبرز العامل القبلي باعتباره واحدا من أهم المؤشرات على حجم الانخراط في هذه الانتخابات. فخلال الأيام الماضية، شهدت العيون والسمارة بوجدور و الداخلة لقاءات متتالية لمكونات قبلية صحراوية أعلنت مشاركتها في الاستحقاق ودعت أبناءها إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع.
قبيلة مجاط على سبيل المثال عقدت لقاء بالعيون خصص للتعبئة من أجل انتخابات 23 شتنبر، بحضور أبناء القبيلة من مختلف الأجيال، مع دعوة واضحة إلى ممارسة حق التصويت والانخراط في العملية الانتخابية.
كما اجتمعت قبيلة الشرفاء توبالت في لقاء موسع ضم فعاليات جمعوية وأكاديمية ونسائية وشبابية استعدادا للاستحقاق نفسه.
وفي السمارة عقد مجلس قبيلة يكوت ثمساء 20 شتنبر، لقاء موسعا بحضور أعيان وأطر وشباب القبيلة، ناقش أهمية المشاركة في الانتخابات والانخراط في تدبير الشأن العام.
وفي العيون أيضا شهدت الحملة لقاءات واسعة لقبيلة يكوت شارك فيها وجهاء وأعيان ونساء وشباب، إلى جانب تحركات وسط قبيلة السواعد ومكونات قبلية أخرى.
هذا الانخراط القبلي لا يعني أن القبائل تصوت بالاتجاه نفسه أو تتبنى الموقف الحزبي ذاته. بالعكس الاختلاف موجود، وقد تتوزع أصوات أبناء القبيلة الواحدة بين أكثر من حزب ومرشح. لكن النقطة الأساسية هي أن القبيلة نفسها أصبحت جزءا من العملية الانتخابية لا خارجها.
فالأعيان والشيوخ والشباب والنساء يناقشون الاختيارات، ويستقبلون المرشحين ويطرحون الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ثم يتركون لصندوق الاقتراع مهمة الحسم.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات المشهد الحالي فالأقاليم الجنوبية لا تقدم صورة سياسية موحدة من حيث الانتماء الحزبي، لكنها تقدم صورة واضحة عن التعدد داخل إطار انتخابي واحد.
هناك من يدعم الاستقلال، ومن يختار التجمع الوطني للأحرار، ومن يصطف مع الأصالة والمعاصرة أو الاتحاد الاشتراكي أو العدالة والتنمية أو غيرها من الأحزاب.
بل إن الحملة نفسها شهدت انتقالات وخلافات وتجميد عضويات داخل بعض التنظيمات، وهو ما يعكس تنافسا حقيقيا داخل المشهد السياسي المحلي، لا حركة سياسية تسير في اتجاه واحد.
ومن هذا المنظور فإن قوة العملية الانتخابية لا تكمن في أن يصوت الجميع للحزب نفسه، بل في أن يختلفوا حول المرشح والبرنامج والتحالف، بينما يبقى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو القاعدة المشتركة.
هذا الانخراط غير محصورا في الأعيان والوجوه التقليدية. فالشباب حاضرون داخل الحملات واللقاءات التنظيمية والقبلية، كما دعت تنظيمات شبابية حزبية في العيون إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، من بينها الشبيبة الاتحادية التي أعلنت دعم مرشحيها وحثت الشباب على الانخراط في الاستحقاق.
يكتسب هذا الحضور أهمية خاصة في ظل التحول الديمغرافي والاجتماعي الذي تعرفه مدن الصحراء، وبروز جيل جديد ينظر إلى الانتخابات من زاوية التشغيل والسكن والتعليم والاستثمار وجودة الخدمات وفرص التنمية المحلية.
ولهذا لم تعد الحملة مجرد استعراض للأعيان والقبائل، بل أصبحت أيضا فضاء لصراع البرامج والوعود والانتظارات بين مرشحين يحاول كل منهم إقناع الناخب بأنه الأقدر على تمثيله.
في المقابل استندت وكالة الأنباء الجزائرية في مادتها إلى بيانات صادرة عن هيئات معارضة للمشاركة وحملة رقمية تدعو إلى المقاطعة، إضافة إلى وقفات قالت الوكالة إن “عشرات” الأشخاص شاركوا فيها.
وجود هذه المواقف أمر لا يمكن إنكاره، وهي تمثل اتجاها سياسيا موجودا داخل المشهد وإن كان محدود الكم والأثر.
لكن تحويلها إلى صورة شاملة عن سكان الأقاليم الجنوبية يتجاهل جزءا أكبر من الوقائع التي تظهر يوميا في الشوارع والقاعات والتجمعات الانتخابية.
فالعيون وحدها تعرف منذ بداية الحملة سباقا سياسيا كثيفا، كما تشهد السمارة وبوجدور والداخلة تحركات مشابهة، في وقت تواصل فيه مكونات قبلية واجتماعية التعبئة من أجل المشاركة.
ومن هنا تصبح عبارة “رفض شعبي” أقرب إلى قراءة سياسية انتقائية منها إلى توصيف كامل لما يجري على الأرض.
تكتسب هذه الانتخابات دلالة إضافية داخل الأقاليم الجنوبية لأنها تأتي في مجتمع شديد الارتباط ببنيته القبلية والاجتماعية.
فعندما يشارك الشيوخ والأعيان والشباب والنساء من مختلف المكونات في اختيار المرشحين ومناقشتهم ودعمهم أو معارضتهم، فإنهم يمارسون فعليا حقهم في تحديد من يمثلهم داخل المؤسسة التشريعية.
وقد جاءت دعوة شيخ شيوخ قبائل الشرفاء الركيبات إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات لتلخص هذا المعنى، إذ شدد خلال لقاء ضم عددا من شيوخ وممثلي وأعيان القبائل الصحراوية على أهمية ممارسة المواطنين حقهم في الاختيار، بعيدا عن اختلاف الانتماءات السياسية والحزبية. وهذا هو المشهد الذي يصعب اختزاله في حملة مقاطعة أو مجموعة بيانات.
فالصحراويون المشاركون في هذه الانتخابات لا يتحركون كتلة واحدة، ولا يختارون الحزب نفسه، ولا يتفقون على جميع القضايا. لكنهم يختلفون داخل العملية الديمقراطية نفسها.
وهذه ربما أقوى صورة يقدمها المشهد الحالي في الصحراء: قبائل وأسر وشباب ونساء وأعيان يتنافسون، يختلفون، يتحالفون، ويعيدون ترتيب مواقعهم، ثم يتجهون في النهاية إلى صندوق واحد.
لهذا فإن الرد الأكثر وضوحا على سردية المقاطعة لن يأتي من البيانات المضادة، وإنما من المشهد نفسه يوم 23 شتنبر.
هناك ستظهر المشاركة بأرقامها، وستظهر اختيارات الناخبين، وستعرف كل دائرة من اختار سكانها لتمثيلهم في البرلمان.
أما قبل ذلك فإن ما يمكن رصده بوضوح هو وجود تعبئة انتخابية واسعة وانخراط اجتماعي وقبلي وحزبي في مختلف مدن الصحراء المغربية.
وبينما تدعو الوكالة الجزائرية سكان العيون خصوصا إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع، يقضي المرشحون والمواطنون الساعات الأخيرة من الحملة في مناقشة التشغيل والسكن والتعليم والاستثمار والتنمية المحلية ومن سيكون الأقدر على حمل هذه الملفات إلى البرلمان والترافع عنها لتحقيق طموحات ساكنة الاقاليم الجنوبية داخل قبة البرلمان وحكومة الحكم الذاتي
.












