بين تعاطف الشارع وبراغماتية الدولة: كيف أعادت إسبانيا تموضعها في ملف الصحراء

محرر مقالات18 يناير 2026
بين تعاطف الشارع وبراغماتية الدولة: كيف أعادت إسبانيا تموضعها في ملف الصحراء

العيون الأن.

يوسف بوصولة

 

يظهر الرأي العام الإسباني وفق تقرير حديث صادر عن المعهد الملكي إلكانو، استمرار دعم واسع لحق تقرير المصير في الصحراء الغربية، وهو موقف تغذيه اعتبارات تاريخية مرتبطة بالإرث الاستعماري، إلى جانب علاقة معقدة تتراوح بين التوجس والصراع مع المغرب. يؤكد استطلاع للرأي أُنجز في يوليوز الماضي أن هذا التعاطف الشعبي ما يزال حاضرا بقوة داخل المجتمع الإسباني. غير أن هذا المزاج العام ظل على الدوام محكوما بسقف الحسابات الدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية للدولة الإسبانية.

 

فمنذ انسحاب مدريد من الصحراء سنة 1975 في سياق داخلي هش أعقب نهاية الديكتاتورية، تبنت إسبانيا سياسة واقعية قائمة على منطق “أقل الأضرار”. وعاجزة عن فرض حل يتماشى مع توجهات جزء من رأيها العام، وخشية الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع المغرب، فضلت الحفاظ على أولوياتها الحيوية، وعلى رأسها أمن سبتة ومليلية وجزر الكناري. هذا النهج البراغماتي استمر مع الحكومات الديمقراطية المتعاقبة، التي حافظت لما يقارب خمسة وأربعين عاما على موقف رسمي يوصف بالحياد، يرتكز على دعم المسار الأممي وتفادي الصدام مع الرباط، في ظل غياب الدافع أو السند الدولي الكفيل بفرض خيار مغاير كما يشير معهد إلكانو.

 

ويعزو التقرير هذا التوجه إلى عوامل بنيوية، أبرزها الوزن الاستراتيجي للمغرب في قضايا الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب، والتخوف من قيام كيان صحراوي هش قد يتحول إلى بؤرة عدم استقرار في منطقة شديدة الحساسية، إضافة إلى محدودية قدرة إسبانيا على التأثير في نزاع تحدده موازين القوى الدولية والوقائع الميدانية. وفي السياق الدولي يلفت إلكانو إلى أن دول المعسكر الاشتراكي السابق وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، التزمت بدورها موقفا حذرا، إذ تجنبت موسكو الدخول في مواجهة مع الرباط، بينما امتنعت غالبية دول حلف وارسو عن التصويت في الأمم المتحدة سنة 1975، في حياد عملي رجح كفة المصالح المغربية.

 

ومع مرور الوقت أسهمت التحولات الديموغرافية والعسكرية والدبلوماسية على الأرض في تعزيز موقع المغرب، مقابل تراجع الدعم الدولي لجبهة البوليساريو. وفي هذا السياق، يندرج التحول الإسباني المعلن في مارس 2022، حين وصفت حكومة بيدرو سانشيز مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها “الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” ضمن استمرارية هذا النهج البراغماتي. فالخطوة عكست في الآن ذاته تزايد التأييد الدولي للحل المغربي منذ 2020، واستمرار الجمود في المسار الأممي، ورغبة مدريد في إنهاء مرحلة من التوتر الحاد مع الرباط بلغ ذروته خلال أزمة الهجرة في سبتة سنة 2021.

 

ورغم الكلفة السياسية الداخلية لهذا القرار، وتداعياته على العلاقة مع الجزائر، فإن الحكومة الإسبانية نجحت في احتوائه مؤسساتيًا، إذ لم تذهب أي من القوى الداعمة لها إلى حد التلويح بإسقاطها. واكتفى حلفاء البوليساريو بتحركات رمزية داخل البرلمان، عبر قرارات غير ملزمة تندد بما سُمي “التحول” الإسباني. ومع ذلك لم تتخل مدريد كليا عن مبدأ تقرير المصير، بل أعادت تأطيره ضمن تصور الحكم الذاتي بدل خيار الاستقلال، في انسجام مع التوجه الذي باتت تتبناه أغلب العواصم الغربية.

 

ويذكر معهد إلكانو بأن هذا التحول الإسباني لم يأت عن فراغ، بل سبقه دعم صريح من ألمانيا القوة المحركة داخل الاتحاد الأوروبي، ترجم في بيان رسمي لوزارة الخارجية الألمانية في دجنبر 2021، ورسالة من الرئيس الألماني إلى الملك محمد السادس في يناير 2022. هذا الموقف الألماني مهد الطريق أمام دول أوروبية أخرى من بينها إسبانيا، للانخراط في دينامية جديدة تعكس تغير موازين المقاربة الغربية لملف الصحراء بين تعاطف شعبي متجذر، وبراغماتية دولة تحكمها اعتبارات الاستقرار والمصلحة الاستراتيجية.

الاخبار العاجلة