اليد الممدودة من الرباط إلى الجزائر: ثبات استراتيجي برؤية ملكية وقرار أممي يعيد رسم المشهد المغاربي

محرر مقالات1 نوفمبر 2025
اليد الممدودة من الرباط إلى الجزائر: ثبات استراتيجي برؤية ملكية وقرار أممي يعيد رسم المشهد المغاربي

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

يعيد القرار الأممي الأخير المتعلق بالصحراء المغربية، ومعه إعلان جلالة الملك محمد السادس عن تقديم نسخة محينة من مبادرة الحكم الذاتي، تسليط الضوء على إحدى أهم الثوابت الاستراتيجية للدبلوماسية المغربية منذ اعتلاء الملك العرش أسلافه سنة 1999: سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، وإرساء منطق الحوار بدل القطيعة، والتعاون بدل التوتر، وبناء الجسور بدل الجدران. تلك ليست مجرد توجهات ظرفية أو ردود أفعال سياسية، بل رؤية ملكية ثابتة تتأسس على قناعة عميقة بأن استقرار المنطقة المغاربية وازدهار شعوبها يبدأ أولا من المصالحة التاريخية بين الرباط والجزائر.

 

في خطاب 31 أكتوبر 2025، الذي جاء مباشرة بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كمرجعية وحيدة للحل، لم يكن اختيار الملك توجيه خطاب خاص للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، ولإخواننا في مخيمات تندوف، فعلا دبلوماسيا تقليديا. فقد قال جلالته بوضوح وبنبرة تليق بلحظة تاريخية فاصلة: دعوة صادقة للحوار الأخوي بين المغرب والجزائر، ونداء مفتوح لسكان المخيمات لاغتنام فرصة تاريخية تعيد أبناء الصحراء إلى وطنهم وتتيح لهم المشاركة في تدبير شؤونهم ضمن المغرب الموحد. في تلك اللحظة تجلت فلسفة الدولة المغربية كما أرساها الملك منذ بدايات عهده، فلسفة ترى في الوحدة قوة وفي التفرقة ضعفا، وفي المصالحة قدرا سياسيا لا مناص منه.

 

تاريخيا، لم يتغير هذا الخطاب ولم يتبدل رغم كل المتغيرات. فمنذ خطاب العرش سنة 1999، مرورا باستحقاقات إقليمية ودولية متتالية، ظل جلالته يمد اليد إلى الجزائر بصفاء موقف وصدق نوايا، مؤكدا أن المغرب لن يكون مصدر أي شر أو سوء لجيرانه، وأنه يتطلع إلى فتح صفحة جديدة تعيد العلاقة بين البلدين إلى طبيعتها. كل عام تقريبا، وفي مناسبات وطنية كبرى، تتكرر الرسالة ذاتها: الحدود المغلقة جرح في الجسد المغاربي، والشعوب أوثق من الخلافات العابرة، والمستقبل المشترك أهم من حسابات الماضي.

 

هذا النهج الإنساني والسيادي في آن واحد برز بوضوح في الدعوات المتكررة إلى فتح الحدود، وإحياء الاتحاد المغاربي، وتجاوز إرث التوتر الذي كبل المنطقة لعقود ومنعها من الاندماج الاقتصادي والسياسي. المغرب كما شدد الملك مرارا، لا يسعى إلى تسجيل انتصار على حساب أحد، ولا يتعامل بمنطق الغلبة، بل بمنطق رابح رابح، حيث الجميع يستفيد وتصان كرامة الجميع، وتتعزز روابط الدم والدين والتاريخ التي لا تغيرها النزاعات السياسية.

 

البعد الإنساني ظل حاضرا أيضا في خطاب جلالة الملك، خصوصا عندما يتوجه إلى أبناء الصحراء في مخيمات تندوف. هناك، لا يستعمل جلالته لغة السياسة وحدها، بل لغة الانتماء والعائلة والتاريخ المشترك، مؤكدا أن كل المغاربة سواسية، وأن الوطن يتسع لكل أبنائه دون تمييز. هذا النداء المتكرر يترجم رؤية مغربية ترى في حل النزاع فرصة لإعادة لم شمل العائلات، واستعادة الروابط الإنسانية التي حاولت سنوات التوتر أن تمحوها دون جدوى.

 

ومع القرار الأممي الأخير، انتقلت سياسة اليد الممدودة من أفق النوايا إلى أرض الفعل. فقد أعلن الملك تقديم نسخة محينة ومفصلة من مبادرة الحكم الذاتي للأمم المتحدة، لتكون المرجعية الوحيدة للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق. هذا التطور ليس فقط تأكيدا للثقة المغربية في مشروعها، بل أيضا دعوة عملية للجزائر وللمجتمع الدولي للمضي قدما في طريق الحل، بعيدا عن منطق المناورات والجمود. المغرب اليوم يدخل مرحلة التنفيذ والدينامية الإيجابية، مستندا إلى اعتراف دولي واسع وعدالة قضيته ووضوح مشروعه.

 

خلاصة المسار تتجلى في حقيقة واحدة: المغرب اختار طريق الحكمة، طريق الحوار بدل المواجهة، والوحدة بدل الانقسام، والبناء بدل الخصام. وهذه ليست لحظة خطابية عابرة، بل مسار دولة، امتد أكثر من ربع قرن، وبات اليوم قائما على أسس أقوى بعد الدعم الدولي المتجدد لمبادرة الحكم الذاتي. اليد الممدودة ما تزال مفتوحة، تنتظر فقط يدا أخرى تمتد من الجهة المقابلة، لأن الشعوب أكبر من الخلافات، والقدر الجغرافي والتاريخي أقوى من الحسابات الضيقة. ومن هذه الأرضية، تبدو المرحلة المقبلة فرصة حقيقية لإعادة صياغة مستقبل المغرب العربي، على أساس الاحترام المتبادل، التعاون، والتكامل، بما يخدم شعبَي المغرب والجزائر قبل أي طرف آخر.

الاخبار العاجلة