العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
أعلنت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء يوم الثلاثاء، حفظ المسطرة المتعلقة بوفاة شخص كان موضوع بحث قضائي، بعدما أقدم على إلقاء نفسه من نافذة بالطابق الرابع داخل مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في حادث أثار اهتماما واسعا للرأي العام منذ وقوعه في 19 فبراير الماضي، بالنظر إلى حساسية مكان الحادث وظروفه.
وأفاد بلاغ رسمي للوكيل العام للملك أن الحادثة تعود إلى قيام المعني بالأمر بالقفز من نافذة مكتب بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية، ما أدى إلى إصابته بجروح بليغة عجلت بوفاته لاحقا بالمستشفى.
وفي أعقاب ذلك باشرت النيابة العامة تحقيقا قضائيا معمقا، أسند إلى المصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة الدار البيضاء، في خطوة تروم تعزيز ضمانات الحياد والاستقلالية في البحث، خصوصا بالنظر إلى وقوع الحادث داخل مرفق أمني.
وشمل التحقيق الاستماع إلى عناصر الشرطة المكلفة بالبحث مع الهالك، إلى جانب إجراء معاينات دقيقة لمسرح الحادث من طرف تقنيي مسرح الجريمة، مع أخذ عينات بيولوجية وتحليلها، فضلا عن تفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة بمحيط المكان.
خلصت المعطيات التقنية وفق البلاغ، إلى أن تسجيلات كاميرات المراقبة توثق واقعة إلقاء الهالك لنفسه من النافذة، دون تسجيل أي تدخل خارجي كما أكد تقرير التشريح الطبي، الذي أعدته لجنة ثلاثية من أطباء مختصين في الطب الشرعي، أن الوفاة ناجمة عن مضاعفات إصابات خطيرة، تمثلت في رضوض وكسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، إلى جانب نزيف سحائي حاد.
وفي السياق ذاته أثبتت التحاليل المخبرية خلو جسم الهالك من أي مواد كيميائية أو حيوية غير طبيعية، ما يستبعد فرضية تأثير مواد خارجية على سلوكه لحظة الحادث، كما كشفت الخبرة العلمية المنجزة على الآثار البيولوجية بمكان السقوط عن وجود نمط وراثي وحيد يعود للهالك، دون تسجيل أي بصمات جينية أخرى، وهو ما يعزز بحسب البلاغ، فرضية إقدامه الفردي على القفز.
تندرج هذه الواقعة ضمن فئة الحوادث التي تقع أثناء مراحل البحث التمهيدي، والتي غالبا ما تستدعي تدقيقا مضاعفا من طرف السلطات القضائية، نظرا لما تطرحه من تساؤلات حول ظروف الاحتجاز وضمانات السلامة داخل مقرات البحث.
ويعد تدخل النيابة العامة بفتح تحقيق مستقل، وتكليف جهة أمنية مغايرة إجراء مؤسساتيا يندرج ضمن آليات تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في القضايا التي قد تمس بثقة الرأي العام في الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون.
بناء على مجمل نتائج البحث قررت النيابة العامة حفظ المسطرة لانتفاء العنصر الجرمي، وهو قرار يستند قانونيا إلى غياب أي دليل على تدخل طرف ثالث في الواقعة.
ويحمل هذا القرار دلالات متعددة، من أبرزها تأكيد اعتماد المقاربة التقنية والعلمية في حسم الوقائع الجنائية، والاعتماد على وسائل الإثبات الحديثة، كتحليل التسجيلات والحمض النووي في بناء القناعة القضائية.
كما يعكس القرار على المستوى المؤسساتي، توجها نحو تكريس مبدأ الشفافية في التعاطي مع القضايا الحساسة، من خلال إطلاع الرأي العام على مختلف مراحل البحث ونتائجه، وهو ما من شأنه الإسهام في تعزيز الثقة في العدالة، رغم تعقيد مثل هذه الحوادث.
تغلق هذه القضية بقرار الحفظ، بعد مسار تحقيقي اعتمد على خبرات متعددة وتقنيات دقيقة، لتبقى الواقعة نموذجا لحالات تتقاطع فيها الأبعاد الأمنية والقضائية والحقوقية، وتبرز في الآن ذاته أهمية التدقيق المؤسسي في كل حادث يقع داخل فضاءات رسمية، لما لذلك من تأثير مباشر على صورة العدالة وثقة المجتمع.











