المجموعات الصحية الترابية… كيف يعيد المغرب رسم خريطة العلاج ويقرب الصحة من المواطن؟

محرر مقالات11 أبريل 2026
المجموعات الصحية الترابية… كيف يعيد المغرب رسم خريطة العلاج ويقرب الصحة من المواطن؟

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

في سياق التعيينات التي صادق عليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله خلال المجلس الوزاري الأخير، برزت “المجموعات الصحية الترابية” كأحد أبرز معالم الإصلاح الجاري في قطاع الصحة. هذه البنية الجديدة لا تقتصر على تغيير إداري بل تعكس توجها نحو اعتماد نموذج مختلف في تدبير الشأن الصحي، يقوم على تعزيز دور الجهات وتقريب الخدمات من المواطنين.

فما هي هذه المجموعات؟ وكيف ستشتغل؟ وما الذي ستغيره في المنظومة الصحية؟

بموجب القانون رقم 08.22 تحدث المجموعات الصحية الترابية كمؤسسات عمومية على مستوى كل جهة. وتتمتع هذه المؤسسات بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري ما يمنحها صلاحيات واسعة في التدبير.

بذالك أصبحت كل جهة تتوفر على جهاز مؤسساتي خاص بها لتدبير قطاع الصحة قادر على اتخاذ القرار، إبرام العقود وتدبير الميزانية، في إطار السياسة الصحية الوطنية.

كما تحل هذه المجموعات محل البنيات السابقة خاصة المديريات الجهوية في ما يتعلق بالحقوق والالتزامات، بما يضمن استمرارية المرفق الصحي دون انقطاع.

تعتمد المجموعات الصحية الترابية على هيكلة مزدوجة تجمع بين التوجيه الاستراتيجي والتنفيذ الميداني. في المستوى الأول يوجد مجلس إدارة يتولى وضع التوجهات الكبرى، والمصادقة على البرامج الصحية والميزانية. ويضم هذا المجلس فاعلين مؤسساتيين وأكاديميين ومهنيين بما يعكس طابعا تشاركيا في اتخاذ القرار.

أما في المستوى الثاني فيتولى المدير العام مهمة التسيير اليومي. ويشرف على تنفيذ البرامج، وتدبير الموارد البشرية، وتنسيق عمل المؤسسات الصحية داخل الجهة كما يمثل المجموعة أمام القضاء والإدارات ويتحمل المسؤولية المباشرة عن الأداء.

لا تقتصر أدوار هذه المجموعات على تقديم العلاج، بل تشمل مختلف مكونات المنظومة الصحية. فهي مسؤولة عن إعداد الخريطة الصحية الجهوية، وتنظيم عرض العلاجات بما يستجيب لحاجيات السكان. كما تعمل على ضمان استمرارية المسار العلاجي للمريض، من المراكز الصحية إلى المستشفيات.

وفي مجال الصحة العامة تتولى مهام الوقاية، وتتبع الوضع الوبائي، وتنظيم خدمات المستعجلات. كما تضطلع بدور في التكوين والتأطير، من خلال استقبال طلبة كليات الطب والمهن الصحية، والمساهمة في التكوين المستمر للأطر.

إلى جانب ذلك تساهم في البحث العلمي والابتكار عبر إبرام شراكات مع مؤسسات جامعية ومراكز بحث، بهدف تطوير الممارسات الصحية وتحسين جودة الخدمات.

من أبرز خصائص هذا النموذج الجمع بين الاستقلالية والرقابة. فالمجموعات الصحية الترابية تتوفر على ميزانية خاصة، تشمل موارد ذاتية وإعانات عمومية، ما يتيح لها مرونة أكبر في التمويل والإنفاق. كما يمكنها تدبير ممتلكاتها وإبرام صفقاتها، والمساهمة في مشاريع استثمارية مرتبطة بمهامها.

في المقابل تخضع هذه المؤسسات لوصاية الدولة عبر وزارة الصحة، لضمان احترام القوانين وتنفيذ السياسة الصحية الوطنية. كما تخضع للمراقبة المالية، ولعمليات افتحاص دورية في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

الرهان الأساسي من إحداث هذه المجموعات هو تحسين نجاعة النظام الصحي وتقريبه من المواطنين. فمن خلال نقل جزء من القرار إلى الجهة، يصبح من الممكن تحديد الأولويات الصحية وفق خصوصيات كل منطقة وتوزيع الموارد بشكل أكثر توازنا بالاضافة لتسريع تنفيذ المشاريع الصحية

كما يسمح هذا النموذج بتنظيم أفضل لمسار العلاج، وتقليص الضغط على بعض المؤسسات، وتحسين جودة التكفل بالمرضى.

ينص القانون على مرحلة انتقالية تضمن الانتقال السلس نحو هذا النموذج. حيث سيتم نقل الموارد البشرية والممتلكات والالتزامات من البنيات السابقة إلى المجموعات الجديدة، مع الحفاظ على حقوق الموظفين وضمان استمرارية الخدمات.

كما سيتم تحديد تاريخ الشروع الفعلي لكل مجموعة بموجب نص تنظيمي ما يعني أن هذا الإصلاح سيتم تنزيله بشكل تدريجي ومنظم.

بذالك تشكل المجموعات الصحية الترابية أحد أعمدة إصلاح المنظومة الصحية في المغرب. فهي تقدم تصورا جديدا يقوم على الجهوية، والحكامة، وتكامل الوظائف الصحية.

غير أن نجاح هذا الورش يظل مرتبطا بمدى فعالية التنزيل، وقدرة هذه المؤسسات على تحقيق التوازن بين الاستقلالية في القرار والالتزام بالسياسات الوطنية.

الاخبار العاجلة