العيون الآن.
تعيش الساحة الإعلامية المغربية لحظة احتقان غير مسبوقة بعد أن فجرت الهيئات النقابية والمهنية لقطاع الصحافة والنشر جدلا سياسيا ومؤسساتيا واسعا، عقب تصريحات وزير الشباب والثقافة والتواصل بشأن مشروع القانون 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. الهيئات اعتبرت ما قاله الوزير “ادعاء خطيرا” يمسّ ثلاث مؤسسات دستورية ويشكل “فضيحة سياسية وأخلاقية”، لتدخل بذلك العلاقة بين الحكومة والجسم الصحافي مرحلة توتر جديدة، تعيد طرح أسئلة عميقة حول مستقبل التنظيم الذاتي للمهنة واستقلالية مؤسساتها.
الشرارة انطلقت حين صرح الوزير تحت قبة مجلس المستشارين بأن 80 في المائة من ملاحظات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، قد أُخذ بها في التعديلات التي أُدخلت على المشروع. هذا الكلام سقط كالصاعقة على النقابات المهنية، التي سارعت إلى تكذيبه، مؤكدة أن التواريخ الرسمية لإحالة المشروع على المؤسستين، وتقديم مذكراتهما، ثم برمجة المناقشة التفصيلية في الغرفة الثانية تجعل “الادعاء مستحيلا منطقيا ومؤسسيا”.
النقابات وفي مقدمتها النقابة الوطنية للصحافة المغربية والفيدرالية المغربية لناشري الصحف، ومعها نقابات أخرى وفعاليات واسعة في الحقل الإعلامي، قالت إن الحيثيات الزمنية وحدها تكشف “استحالة” اعتماد تعديلات مبنية على مذكرات لم تناقش أصلا داخل المسار التشريعي. لذلك طالبت الوزير بـالكشف الفوري عن لائحة المقترحات الـ80% التي يقول إنها أُدمجت في النص، معتبرة أن إخفاءها إن وجدت أصلا، يضرب مبدأ الشفافية ويفقد المشروع شرعيته.
وتعتبر الهيئات المهنية أن الموضوع لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول صياغة قانون تنظيمي، بل أصبح قضية سياسية تمسّ احترام المؤسسات الدستورية وحماية استقلالية التنظيم الذاتي. فهي تحذر مما تسميه “مخطط الهيمنة والتحكم” في مؤسسة المجلس الوطني للصحافة، عبر قانون “مفصل على المقاس”، يضعف استقلالية الجسم الصحافي ويمنح للحكومة سلطة غير مباشرة على قراراته ووظائفه التأديبية والمهنية.
واحدة من أخطر النقاط في البيان المشترك للهيئات المهنية هي الإدانة الشديدة لما تضمنه تسجيل سمعي بصري منسوب لأعضاء لجنة التأديب والأخلاقيات داخل اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون القطاع. التسجيل الذي أثار صدمة داخل الوسط المهني تضمن عبارات اعتبرتها النقابات “مهينة ومشينة وحاطة بالكرامة المهنية”، خصوصا في حق الصحافي حميد المهداوي. وتصف النقابات الأمر بـ“فضيحة ثانية” توازي في خطورتها ما تعتبره “إساءة للدولة ولمؤسساتها”.
وتستند النقابات في رفضها الجذري لمشروع القانون على نقطتين رئيسيتين:
الأولى تتعلق بـ جوهر الفلسفة الديمقراطية للتنظيم الذاتي التي بني عليها المجلس الوطني للصحافة سنة 2016، والقائمة على الانتخاب والتمثيل النسبي واستقلالية الصحافيين والناشرين عن السلطة التنفيذية.
والثانية تتعلق بما تعتبره “انتهاكا صارخا لمبادئ الدستور والالتزامات الدولية للمغرب”، خصوصا في ما يتصل بحرية التعبير واستقلال المؤسسات المهنية.
المعارضة البرلمانية بدورها دخلت على الخط، وعبرت داخل مجلس المستشارين عن رفضها للصيغة الحكومية للمشروع، داعية الوزير إلى فتح حوار جدي مع النقابات، بدل “تمرير قانون لا يحظى بالتوافق المهني ولا يحقق شروط الحكامة الديمقراطية”.
هذا التصعيد يضع الحكومة أمام لحظة اختبار، إذ يهدد بإعادة ترتيب ميزان القوى داخل قطاع الصحافة، في وقت يتزايد فيه النقاش حول أخلاقيات المهنة، وتنظيمها، ودور الدولة في ضمان بيئة إعلامية مستقلة. وفي المقابل يضع الجسم الصحافي أمام مسؤولية تاريخية للحفاظ على استقلاليته، في مواجهة ما ينظر إليه كأوسع محاولة لإعادة هندسة المشهد الإعلامي منذ إحداث المجلس الوطني.
مع ارتفاع حدة التصريحات، تبدو أزمة الثقة مرشحة للتفاقم إن لم تذهب الحكومة نحو تهدئة واضحة وتقديم تبريرات دقيقة، أو فتح مفاوضات موسّعة حول مستقبل التنظيم الذاتي. فالمسألة لم تعد تقنيا “مشروع قانون”، بل تحولت إلى نقاش سياسي حول استقلالية الصحافة وحدود تدخل الدولة، في لحظة مضطربة تتطلب أعلى درجات الوضوح.
المشهد مفتوح على مزيد من التأزم، ما لم تقدم الحكومة إجابات مقنعة، وما لم تكشف تفاصيل “الـ80%” التي أصبحت عنوان الأزمة برمتها.












