هل غادر أخنوش السياسة… أم غادرته قبل الانتخابات

محرر مقالات13 يناير 2026
هل غادر أخنوش السياسة… أم غادرته قبل الانتخابات

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، أعلن رئيس الحكومة والأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش “مول البومبة”، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس الحزب. إعلان جاء في لحظة سياسية مشحونة أكثر مما تعترف به الخطابات الرسمية، وفتح منذ ساعاته الأولى باب التأويل على مصراعيه.

فأن يقرر زعيم حزب يقود الحكومة ويتحكم في واحدة من أقوى الآلات التنظيمية والانتخابية في البلاد، الانسحاب من قيادة حزبه قبل الانتخابات لا بعدها، ليس تفصيلا إجرائيا، بل حدثًا سياسيا مكتمل الدلالة والأركان. حدث يطرح سؤالا بسيطا في صياغته، مربكا في جوهره: هل غادر أخنوش السياسة بإرادته، أم غادَرته السياسة قبل أن يغادرها؟

في التجربة المغربية اعتدنا أن تكون صناديق الاقتراع هي التي تحسم مصير القيادات الحزبية: إما تجديد الثقة أو إعلان النهاية. أما أن يسبق الانسحاب الامتحان فذلك سلوك غير مألوف، ويستدعي الشك المشروع. الشك هنا ليس اتهاما بل أداة قراءة. لأن السياسة التي لا تقرأ بشيء من الشك، تقرأ دائما قراءة ساذجة.

من زاوية أولى يمكن النظر إلى القرار باعتباره محاولة لإعادة تلميع صورة الحزب، وفصلها ولو جزئيا عن صورة زعيم أصبح خلال السنوات الأخيرة، عنوانا لاحتقان اجتماعي واسع. غلاء المعيشة، تضارب المصالح، ضعف التواصل، وتآكل الثقة… كلها عناصر جعلت اسم أخنوش أكثر حضورا في النقد منه في الإقناع. وفي مثل هذه الحالات، لا تحتاج الأحزاب إلى تغيير السياسات بقدر ما تحتاج إلى تغيير الوجوه. الوجه هنا ليس شخصا فقط، بل رمزا سياسيا أثقلته الكلفة.

لكن هذه القراءة على وجاهتها، لا تفسر وحدها سرعة التحول. فالرجل الذي وقف زوال السبت، أمام المجلس الوطني لحزبه، متحدثا بثقة الاستمرارية، وملمحا إلى تمديد هياكل الحزب بدعوى “خصوصية المرحلة”، هو نفسه الذي أعلن بعد ساعات عدم ترشحه، والدعوة إلى مؤتمر استثنائي مستعجل. في السياسة هذا النوع من الانعطافات السريعة لا يصنف عادة ضمن خانة “الاقتناع الهادئ”، بل ضمن خانة “تغير المعطيات”.

هنا تحديدا يصبح السؤال أكثر إحراجا: لماذا مؤتمر استثنائي الآن، والمؤتمر العادي قريب؟ ولماذا الاستعجال إن كان القرار نابعا من قناعة شخصية ناضجة؟ ولماذا الانتقال من خطاب التمديد إلى خطاب الانسحاب في أقل من 24 ساعة؟ السياسة لا تحب الصدف، وعندما تتكاثر الصدف، يصبح الإنكار ضربا من السذاجة.

لا يمكن أيضا فصل هذا القرار عن السياق الأوسع الذي يحكم منطق تداول رئاسة الحكومة في المغرب. فالتجربة غير المكتوبة تقول إن الولاية الثانية لرئيس الحكومة تعامل دائما كمنطقة خطر. ليس لأن الدستور يمنعها، بل لأن العرف السياسي يخشاها. في هذا السياق، يبدو انسحاب أخنوش من قيادة الحزب أشبه بإزاحة استباقية للكلفة، لا احتفالا بالاختيار الحر. كأن الرسالة الضمنية تقول: الأفضل أن نغير الواجهة، بدل أن نغامر بحساب صندوق قد لا يرحم.

المفارقة المؤلمة أن هذا المنطق يعيد إلى الذاكرة تجربة “البلوكاج” سنة 2016. يومها، لم يسمح لعبد الإله بنكيران بترجمة فوزه الانتخابي إلى ولاية ثانية رغم صدارته الواضحة. واليوم يبدو أننا أمام نسخة مقلوبة من المشهد نفسه: بدل تعطيل ما بعد الصندوق، يتم ترتيب ما قبل الصندوق. في الحالتين، ليست المشكلة في الأشخاص، بل في كيفية إدارة الشرعية نفسها.

الديمقراطية، في جوهرها ليست نظاما لتفادي الإحراج، بل آلية لمواجهة المحاسبة. ورئيس الحكومة، أيّا كان اسمه، يفترض أن يذهب إلى الانتخابات وهو في الواجهة، لا أن ينسحب منها قبل أن يسأل عن حصيلته. النجاح لا يختبر بالبلاغات، بل بالصناديق. والفشل لا يعالج بتغيير المواقع، بل بالاعتراف السياسي.

السخرية في هذه القصة أن عزيز أخنوش الذي كان لسنوات محورا يوميا لخطابات المعارضة، وعمودا فقريا لنقد الإعلام، ومصدر رزق رمزي لعدد غير قليل من “مهن” السياسة، ينسحب فجأة، تاركا فراغا أكبر من حضوره. خصومه الذين اعتادوا بناء خطابهم عليه، سيضطرون الآن إلى إعادة اختراع عدو جديد. وربما هذا هو الأثر الجانبي الوحيد المؤكد لقراره.

في المحصلة، لا يبدو خروج أخنوش من رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار انسحابا بالمعنى الديمقراطي النبيل، ولا استقالة بالمعنى السياسي الكلاسيكي. هو أقرب إلى نهاية مرحلة أُغلقت بهدوء، لأن ضجيجها صار مكلفا. مرحلة كشفت حدود نموذج “رجل الأعمال السياسي”، وحدود التسويق التقني للسياسات العمومية، وحدود القدرة على إقناع مجتمع يتغير أسرع مما تتغير لغته الرسمية.

السؤال الحقيقي إذن ليس: من سيخلف أخنوش؟
بل: هل نملك الشجاعة كمشهد سياسي لترك السياسة تفعل فعلها الطبيعي؟ أن نربح ونخسر عبر الصندوق، لا عبر الترتيبات.
أن نحاسب عبر الانتخابات، لا عبر الانسحابات الاستباقية.
وأن نغادر بعد الحكم… لا قبله. ذلك وحده ما يعطي للسياسة معناها، وللديمقراطية حدها الأدنى من المصداقية

الاخبار العاجلة