العيةن الآن.
يوسف بوصولة
في سياق سياسي يتسم بتراجع منسوب الثقة في العمل الحزبي والمؤسسات التمثيلية، وتنامي عزوف فئة واسعة من الشباب عن المشاركة السياسية، يطرح “ميثاق 11 يناير للشباب” نفسه كمبادرة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الشباب والدولة، وبين الشباب والفعل العمومي. الوثيقة التي أطلقها حزب الاستقلال في لحظة مشحونة بالرمزية التاريخية، لا تقدم باعتبارها برنامجا انتخابيا ظرفيا، بل كتصور تعاقدي طويل المدى، يستحضر روح 11 يناير كلحظة مؤسسة للاستقلال، ويقترح اليوم تحديث هذا العقد بما يستجيب لتحولات جيل يعيش واقعا مختلفا وتحديات غير مسبوقة.
الميثاق يلفت الانتباه من صفحاته الأولى إلى تحول نوعي في مقاربة قضية الشباب، إذ لا يتعامل معهم كفئة اجتماعية تحتاج حلولا قطاعية معزولة، بل كفاعل مركزي في بناء السياسات العمومية وصناعة القرار. هذا التحول في المنهج هو أحد أبرز عناصر الجدة في الوثيقة، حيث يتم الربط بشكل واضح بين التمكين الاقتصادي والاجتماعي، والمشاركة السياسية، وتخليق الحياة العامة، في اعتراف ضمني بأن دعوات المشاركة تفقد معناها إذا لم تدعّم بشروط الكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص.
كما يعكس الميثاق وعيا بتحولات عميقة في وعي الأجيال الجديدة، حين يتناول قضايا كانت إلى وقت قريب هامشية في الخطاب السياسي، من قبيل الصحة النفسية للشباب، والإقصاء الاجتماعي لفئة واسعة خارج سوق الشغل والتعليم، والمواطنة الرقمية، وتآكل الثقة في المؤسسات بسبب ممارسات الريع والفساد. هذا التشخيص، في حد ذاته، يمنح الوثيقة مصداقية أولية، لأنه ينطلق من الواقع لا من الشعارات.
غير أن قوة التشخيص لا تعفي من طرح السؤال الجوهري: كيف يمكن تحويل هذا التصور إلى أثر ملموس في حياة الشباب؟ هنا يواجه الميثاق تحديه الحقيقي. فالانتقال من الرؤية إلى الواقع يظل رهينا بقدرة حقيقية على المأسسة، أي تحويل المبادئ العامة إلى آليات تنفيذ واضحة، مرتبطة ببرامج حكومية وجهوية قابلة للتتبع والتقييم، وبمؤشرات دقيقة تقيس مدى التقدم في مجالات التشغيل، والمشاركة السياسية، والتمثيلية داخل المؤسسات.
كما أن الأفق الزمني الذي يطرحه الميثاق، الممتد إلى سنة 2040، يكتسي أهمية استراتيجية، لكنه يظل بحاجة إلى ترجمة مرحلية. فالشباب الذين يعيشون اليوم ضغط البطالة والهشاشة لا ينتظرون وعودا بعيدة المدى فقط، بل إجراءات قريبة تعيد لهم الإحساس بأن السياسات العمومية تستحضر واقعهم اليومي. دون هذا التدرج، قد يتحول الأفق الاستراتيجي إلى عنصر إضعاف بدل أن يكون نقطة قوة.
في قلب هذا النقاش تبرز معضلة العزوف السياسي كأحد أعقد التحديات التي يحاول الميثاق ملامستها. العزوف كما تعكسه الوثيقة، لا يقرأ باعتباره موقفا سلبيا من الشأن العام، بل كحالة فقدان ثقة في السياسة كما تمارس اليوم. فالشباب لا يرفضون المشاركة من حيث المبدأ، بقدر ما يرفضون خطابا متكررا ونخبا لا تتجدد، ومشاركة لا تترجم إلى تأثير فعلي في القرار.
من هذا المنطلق يصبح إشراك الشباب عمليا رهينا بتغيير قواعد اللعبة نفسها، لا الاكتفاء بدعوات أخلاقية للمشاركة. فتح المجال أمامهم داخل الأحزاب والمؤسسات يجب أن يكون على أساس الكفاءة والاستحقاق، لا بمنطق التزكية الرمزية. كما أن تمكينهم من أدوار تقريرية، ومن آليات للمساءلة والتتبع، يظل شرطا أساسيا لإعادة بناء الثقة، بدل الاكتفاء بإدماج شكلي يعمق الإحباط بدل معالجته.
الميثاق في هذا السياق يحمل عناصر قوة واضحة، من حيث شمولية الرؤية وجرأة التشخيص، ومحاولة الربط بين التنمية والمواطنة والقيم الأخلاقية في العمل العام. لكنه في المقابل يظل معرضا لمخاطر حقيقية، إذا لم يدعَم بإرادة سياسية واضحة، وآليات تنفيذ دقيقة، وجهة ضامنة لتحويله من وثيقة مرجعية إلى سياسة عمومية ذات أثر.
في الخلاصة يمكن القول إن ميثاق 11 يناير للشباب يشكّل محاولة جادة لإعادة التفكير في موقع الشباب داخل المشروع الوطني، ويقدم تصورا أكثر نضجا مقارنة بخطابات سابقة. غير أن نجاحه لن يقاس بجودة النص ولا برمزيته التاريخية، بل بقدرته على كسر حلقة الوعود غير المنجزة، وإقناع الشباب بالفعل لا بالخطاب، بأن المشاركة السياسية قادرة على إحداث فرق حقيقي











