العيون الآن
م. المحفوظ _ العيون
لم يكن انتقال الخطاط ينجا من حزب الاستقلال إلى حزب الأصالة والمعاصرة مفاجئا، كما أنه لم يأت خارج دائرة الاحتمالات والتوقعات السياسية التي سبق أن طرحت، بتفاصيلها وجزئياتها، في قراءة سابقة للمشهد. غير أن هذه المحطة أعادت طرح أسئلة عديدة حول ما يجري خلف الكواليس، وحول طبيعة الاستراتيجية التي ينهجها حزب الاستقلال استعدادا للاستحقاقات المقبلة. وعلى إثر تلك الضجة، كانت العيون الآن قد طرحت في مقال سابق سؤالا ظل مفتوحا: «بين صمت التزكيات وتحالفات الكواليس.. هل يهيئ ولد الرشيد لمفاجأة انتخابية بالداخلة؟»، وهو السؤال الذي بدأت بعض ملامح الإجابة عنه تظهر تدريجيا على أرض الواقع.
علاوة على ذلك، فإن تأخر حزب الاستقلال في الكشف عن جميع أوراقه الانتخابية بالأقاليم الجنوبية لم يكن، وفق قراءة عدد من المتابعين، بالضرورة علامة على فراغ سياسي أو تنظيمي، بقدر ما قد يكون تعبيرا عن استراتيجية تقوم على التريث، ودراسة موازين القوى، وانتظار اكتمال صورة التحالفات قبل الانتقال إلى مرحلة الإعلان. فالسياسة الانتخابية، خصوصا في الأقاليم الجنوبية، لا تحسمها سرعة الإعلان وحدها، وإنما تحكمها القدرة على قراءة المجتمع الانتخابي، واستشراف موازين القوى، وبناء توافقات تمتد آثارها إلى ما بعد الاستحقاق التشريعي.
واللافت أن المشهد الذي شهدته الداخلة اليوم، من خلال الاستقبال الجماهيري الحاشد للأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة، مرفوقا بمنسق الجهات الجنوبية الثلاث مولاي حمدي ولد الرشيد وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية، يمنح تلك القراءة السياسية بعدا جديدا. فالزيارة لم تأت في فراغ، وإنما جاءت في سياق حركية تنظيمية متصاعدة، وبعد أسابيع من تداول أخبار وتحليلات حول تحركات الحزب بالجهة، لتؤكد أن حزب الاستقلال يريد أن يكون حاضرا بقوة في معادلة الداخلة، وأن محطة اليوم ليست مجرد زيارة تنظيمية عادية.
وبناء على ما سبق، فإن الاستقبال الذي خصص لقيادة الحزب بمطار الداخلة، بمشاركة مناضلين ومناضلات ومنتخبين وفعاليات حزبية ومحلية، يعكس مستوى التعبئة التي رافقت هذه المحطة. كما أن البرنامج المعلن للزيارة، بما يتضمنه من لقاءات تواصلية وافتتاح مفتيشيتي الحزب بإقليمي وادي الذهب وأوسرد، يحمل في حد ذاته رسالة تنظيمية واضحة: إعادة ترتيب البيت الداخلي، توسيع دائرة التواصل، وتقوية البنية الميدانية استعدادا لمراحل سياسية متعاقبة، لا يبدو أن الحزب ينظر إليها من زاوية استحقاق واحد فقط.
غير أن ما يجري في العمق قد يكون أوسع من مجرد تقوية الهياكل التنظيمية، ذلك أن حزب الاستقلال، وفق المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية المحلية، يشتغل على إعادة بناء حضوره من خلال استقطاب أعيان وفاعلين سياسيين ومنتخبين وشخصيات ذات امتداد اجتماعي وانتخابي، إلى جانب منخرطين جدد من الشباب والنساء. ولم يتوقف هذا الحراك، بحسب معطيات متداولة من مصادر ملمة بالشأن المحلي، إلى حدود كتابة هذه السطور، الأمر الذي يجعل محطة اليوم أقرب إلى الشوط الأول من مباراة سياسية، ينتظر فيها حزب الاستقلال الشوط الثاني، بإدخال لاعبين جدد ذوي وزن وحضور، قد تكون لهم أدوار وازنة في مستقبل المشهد السياسي بجهة الداخلة، عروس الصحراء المغربية.
وفي هذا السياق تحديدا، يبرز اسم محمد ولد الرشيد، ليس باعتباره وجها دائما في واجهة المشهد، وإنما باعتباره، وفق هذه القراءة، أحد أبرز العقول الصحراوية السياسية لحزب علال الفاسي التي تشتغل بهدوء على هندسة التواصل والتنسيق وفتح قنوات الحوار مع عدد من الفاعلين السياسيين والأعيان بالصحراء. فالرجل يفضل، بحسب ما يتداول داخل الأوساط المتابعة، الاشتغال بعيدا عن الأضواء، حيث اللقاءات الهادئة، والنقاشات الطويلة، والبحث عن نقاط الالتقاء، قبل أن تتحول التوافقات السياسية إلى مواقف معلنة وأسماء حاضرة في المشهد.

وعلى ذلك، فإن ما يظهر اليوم من تحالفات أو التحاقات أو إعادة تموقعات داخل حزب الاستقلال يمكن قراءته باعتباره حصيلة لمسار من التواصل السياسي الذي جرى بعيدا عن صخب المنصات وواجهات الإعلام. فالهندسة الحقيقية للتحالفات لا تبدأ عادة عند لحظة الإعلان عنها، وإنما تسبقها مرحلة طويلة من جس النبض، وقراءة الحسابات، وفهم طبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية، ثم البحث عن الصيغة التي تجعل التوافق ممكنا وقابلا للاستمرار. ومن هذه الزاوية، يبدو أن محمد ولد الرشيد اختار لنفسه دورا هادئا في الشكل، لكنه بالغ الأهمية في صناعة التفاصيل.
كما أن اللافت في هذه المقاربة هو أن التوافق، في تصور هذا النوع من العمل السياسي، لا يبدو غاية ظرفية مرتبطة بانتخابات واحدة، بل وسيلة لبناء حضور سياسي قابل للاستمرار. فالمعادلة لا تتوقف عند التشريعيات المرتقبة في 23 شتنبر، وإنما تمتد إلى الاستحقاقات الجماعية والجهوية لسنة 2027، وما يمكن أن تفرزه من موازين جديدة داخل المجالس المنتخبة، وفي مقدمتها مجلس جهة الداخلة وادي الذهب. ومن ثم، فإن كل خطوة انتخابية اليوم قد تكون لها امتدادات وحسابات مرتبطة بمشهد سياسي أوسع في المستقبل.
ومن هنا، يمكن فهم فكرة أن الشوط الأول من هذا المسار قد بدأ يظهر للعلن، فيما يبدو أن الشوط الثاني يجري على نار هادئة، بعيدا عن الاستعجال والضجيج. وفي السياسة، لا تكفي النيات ولا تكفي التصريحات، لأن النتائج وحدها هي التي تمنح المواقف قيمتها وتكشف حقيقة التحالفات. لذلك، فإن الاستقطابات التي يشهدها حزب الاستقلال بالداخلة ستظل بحاجة إلى اختبار ميداني، قبل أن تتحول من مجرد مؤشرات سياسية إلى قوة انتخابية قادرة فعلا على تغيير موازين القوى، وذلك يأتي فقط بالعمل ثم العمل..
ومن جهة أخرى ، فإن الاعتقاد بأن الساحة السياسية بالداخلة يمكن أن تظل فارغة أو حكرا على طرف واحد قد يكون قراءة غير مكتملة للمشهد. فالتنافس الشريف يظل هو الأصل، والانتخابات هي الفيصل، غير أن دخول حزب الاستقلال بهذه الدينامية الجديدة يعني أن الخريطة الانتخابية قد تكون أمام مرحلة أكثر تعقيدا، خصوصا إذا نجح الحزب في تحويل الاستقطابات الفردية إلى شبكة سياسية واجتماعية متماسكة. وعلى هذا الأساس، فإن المفاجأة، إن حدثت، لن تكون وليدة لحظة انتخابية، وإنما نتيجة تراكم طويل من التحضير والتواصل وإعادة بناء الثقة.
وما يزيد هذه القراءة أهمية أن محمد ولد الرشيد لا يبدو منشغلا فقط بالحساب الانتخابي القريب، بل ينظر، بحسب المعطيات المتداولة، إلى مستقبل الحضور السياسي بالصحراء ضمن أفق أوسع. فهناك المدى القريب المرتبط بالانتخابات التشريعية، والمدى المتوسط المتصل بالاستحقاقات الجماعية والجهوية، ثم المدى البعيد المرتبط بمسار تنزيل مشروع الحكم الذاتي، بما يجعل بناء النخب والروابط السياسية والاجتماعية واستمرارية العمل الميداني جزءا من رؤية تتجاوز منطق الربح الانتخابي العابر.
وفي هذا الإطار، تتخذ الممارسة السياسية معنى مختلفا لدى العائلات التي راكمت حضورا وتجربة عبر عقود، فهي مسارا متواصلا تتوارثه الأجيال، تنتقل فيه الخبرة من الآباء إلى الأبناء، وتتجدد الرؤية وتتطور الأدوات، بينما يستمر الحضور السياسي وفيا لتراكم تاريخي وإرث عائلي متواصل. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة حضور محمد ولد الرشيد باعتباره امتدادا لتجربة سياسية عائلية، لكن بأدوات عصرية جديدة من ضمنها التواصل والتوافق وبناء الجسور أكثر من اعتمادها على الظهور الإعلامي.
وخلاصة لما سبق، فإن زيارة نزار بركة ومولاي حمدي ولد الرشيد إلى الداخلة، وما رافقها من تعبئة تنظيمية وحضور جماهيري، لا يمكن فصلها عن الحراك السياسي الذي سبقها، كما لا يمكن اختزالها في محطة تنظيمية عابرة أو اعتبارها، في حد ذاتها، مؤشرا نهائيا على مآلات الاستحقاقات المقبلة. غير أن المؤكد أن شيئا ما يتحرك في العمق، وأن ما كان قبل أسابيع مجرد فرضيات وقراءات وتحليلات بدأ يجد له مؤشرات واضحة على أرض الواقع. وبينما تتجه الأنظار إلى ما سيعلنه حزب الاستقلال رسميا خلال المرحلة المقبلة، تظل عيون المتابعين مركزة على ما يجري خلف الستار، وعلى رجل اختار الاشتغال بعيدا عن الأضواء، واضعا التواصل والتوافق والتحالف في صلب ممارسته السياسية، هو محمد ولد الرشيد، الذي يبدو أن رهانه لا ينحصر في استحقاق انتخابي واحد، بل يمتد إلى بناء حضور سياسي متدرج يستحضر القريب والمتوسط والبعيد، ويترك للنتائج وحدها مهمة الكشف عن حقيقة ما تم نسجه بهدوء.












