من حفظ السلام إلى فرض الحل: واشنطن تغير قواعد اللعبة في ملف الصحراء

محرر مقالات22 مارس 2026
من حفظ السلام إلى فرض الحل: واشنطن تغير قواعد اللعبة في ملف الصحراء

العيون الآن.

حمزة وتاسو / العيون.

 

في تطور لافت يعكس تحولا في مقاربة تدبير النزاع الإقليمي حول الصحراء أعلنت الولايات المتحدة، على لسان سفيرها لدى الأمم المتحدة مايك والتز، عن إطلاق مراجعة استراتيجية شاملة لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، في إطار إصلاح أوسع لعمليات حفظ السلام، ويكتسي هذا الإعلان أهمية خاصة كونه يربط، لأول مرة بشكل صريح، تجديد ولاية البعثة بتحقيق نتائج سياسية ملموسة، بدل الاكتفاء بالتمديد التقني المعتاد.

جاء هذا الموقف خلال جلسة استماع أمام الكونغرس الأمريكي، انعقدت الجمعة بنيويورك، حيث أكد والتز أن واشنطن بصدد إعادة تقييم جدوى بعثات أممية طويلة الأمد، من بينها “المينورسو”، التي ظلت قائمة لعقود دون تحقيق اختراق حاسم في المسار السياسي.

 

يندرج التوجه الأمريكي ضمن دينامية أوسع لإعادة هيكلة منظومة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مدفوعة باعتبارات مالية وعملياتية وأوضح والتز أن بعض البعثات تحولت مع مرور الزمن إلى هياكل مكلفة وممتدة، دون تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها، مشيرا إلى أن تجديد ولايات هذه البعثات ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط لدفع المسارات السياسية، لا مجرد إجراء روتيني.

 

وفي هذا السياق شدد المسؤول الأمريكي على ضرورة الحد من ظاهرة “توسع نطاق المهمة”، حيث تنحرف البعثات تدريجيا عن أهدافها الأصلية، ما يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات بدل حلها، كما ربط هذا التوجه بجهود بلاده الرامية إلى تقليص النفقات الأممية، في ظل مساهمة مالية أمريكية تعد من الأكبر داخل المنظمة.

 

تصريحات والتز تضع بعثة “المينورسو” في صلب هذه المراجعة، باعتبارها واحدة من أقدم بعثات حفظ السلام، ما يعيد النقاش حول فعاليتها ووظيفتها في ظل المتغيرات السياسية الحالية، ويأتي ذلك تزامنا مع مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي مدّد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2026، مع طلب إجراء تقييم استراتيجي لمستقبلها في أفق ستة أشهر.

 

ويمثل هذا الأجل محطة حاسمة لإعادة تحديد دور البعثة، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها الملف، حيث لم يعد خيار الاستفتاء مطروحا بنفس الزخم السابق، مقابل بروز مخطط الحكم الذاتي الذي تقترحه المملكة المغربية كإطار مرجعي للحل السياسي.

 

تشير المعطيات المتاحة إلى أن النقاش الدائر داخل أروقة الأمم المتحدة يتجه نحو إعادة تعريف وظيفة “المينورسو”، من بعثة تقليدية لمراقبة وقف إطلاق النار إلى آلية أكثر مرونة تعنى بالتنسيق والدعم الدبلوماسي، ويعكس هذا التحول تزايد التركيز الدولي على الدفع بالمسار السياسي، بدل الاكتفاء بإدارة الوضع القائم.

 

كما أن الإجراءات الميدانية، من قبيل تعليق بعض التوظيفات المحلية داخل مكاتب البعثة، توحي بوجود توجه عملي نحو إعادة هيكلة محتملة، تواكب هذا التحول الوظيفي المرتقب.

 

لا ينفصل هذا التوجه عن الضغوط المالية المتزايدة داخل منظومة الأمم المتحدة، حيث أشار المسؤول الأمريكي إلى أن ميزانية المنظمة شهدت تضخما ملحوظا خلال العقود الأخيرة، دون انعكاس مواز على مستوى تحقيق الأمن والسلم الدوليين.

 

وفي هذا الإطار قادت واشنطن خلال الأشهر الماضية سلسلة إجراءات لخفض التكاليف، شملت تقليص ميزانية الأمم المتحدة بنسبة 15%، وتقليص عدد قوات حفظ السلام، إلى جانب إغلاق أو دمج عدد من البعثات وهو ما يعكس توجها نحو عقلنة الإنفاق وربط التمويل بالنجاعة والنتائج.

 

يفتح هذا المسار الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء على المستوى الأممي، قوامها الانتقال من منطق “تدبير النزاع” إلى منطق “تسويته”، فربط استمرار البعثة بنتائج سياسية قد يشكل آلية ضغط إضافية على مختلف الأطراف للانخراط في مفاوضات أكثر جدية وفعالية.

 

وفي ضوء أولوية الحلول السياسية المطروحة، خاصة تلك القائمة على مبادرة الحكم الذاتي، تبدو “المينورسو” مرشحة للتحول إلى أداة مواكبة للعملية السياسية، بدل بقائها إطارا تقنيا محدود التأثير.

 

تعكس المراجعة الأمريكية المرتقبة لبعثة “المينورسو” تحولا نوعيا في مقاربة أحد أكثر النزاعات الإقليمية تعقيدا، حيث تتقاطع اعتبارات الكلفة والفعالية مع ديناميات سياسية جديدة، وبين متطلبات الإصلاح الأممي وتطورات الملف على الأرض، تبرز ملامح إعادة تشكيل دور البعثة بما ينسجم مع واقع جيوسياسي متغير، يضع الحل السياسي في صدارة الأولويات.

الاخبار العاجلة