العيون الآن.
يوسف بوصولة
شهدت قاعة ابن بطوطة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط 2026 لحظة ثقافية لافتة جمعت بين النقاش الأكاديمي والتجربة الفنية، لقاء مفتوح خصص لتقديم كتاب جماعي حول المشروع الكوميدي للفنان المغربي حسن الفد.
اللقاء الذي احتضنته الدورة الحادية والثلاثون للمعرض تحول إلى فضاء للنقاش العميق حول موقع الكوميديا داخل الحقل الثقافي، حيث طرحت أسئلة تتجاوز الضحك نحو الأبعاد الجمالية والفكرية لهذا الفن.
يأتي هذا العمل الأكاديمي المعنون بـ“الذاكرة والمجتمع والمقدس في المشروع الكوميدي لحسن الفد” والصادر عن دار زرياب للدراسات والنشر والتوزيع، ليقدم قراءة متعددة الزوايا لتجربة الفد، من خلال مقاربات سوسيولوجية ونقدية ولغوية، واضعا إياها ضمن سياق أوسع يعكس تحولات المجتمع المغربي وتمثلاته للكوميديا.
خلال مداخلته قدم حسن الفد تصورا مغايرا للكوميديا معتبرا أنها ليست مجرد وسيلة للإضحاك بل بناء فني متكامل يقوم على اشتغال دقيق في تشكيل الشخصيات وإعادة تركيب الواقع داخل قالب إبداعي. واعتبر أن اختزال هذا الفن في بعده الترفيهي فقط يفرغه من عمقه ويكرس سوء فهمه.
كما توقف عند الجدل الذي رافق صدور الكتاب خاصة التساؤلات حول “جدوى” تخصيص دراسة أكاديمية لتجربته، معتبرا أن هذا النقاش يعكس نظرة مجتمعية تقزم الكوميديا وتخلط بينها وبين الهزل وهو ما وصفه بـ“الأمية الجمالية”.
أكد الفد أن العمل الكوميدي يقوم على بنية سردية معقدة تتقاطع فيها عناصر الكتابة والتمثيل والتشخيص، حيث لا يكون الضحك غاية في حد ذاته، بل نتيجة لمسار إبداعي متعدد المستويات، يشمل اللغة والسلوك والمرجعيات الاجتماعية.
وفي استحضاره لمساره الفني أوضح أنه ينطلق من خلفية مسرحية وهو ما يفسر تركيزه على بناء الشخصيات، كما هو الحال في أعماله الشهيرة مثل “الكوبل” وشخصية “كبور”، التي نجحت في ترسيخ حضورها داخل الذاكرة الجماعية بفضل عمقها الواقعي.
كما تطرق إلى تفاعل الجمهور مع أعماله، معتبرا أن المتلقي المغربي لم يعد مجرد مستقبل سلبي، بل أصبح طرفا فاعلا في تشكيل العمل الفني، خاصة مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي أعادت إنتاج النصوص الكوميدية خارج سياقها الأصلي.
من جانبهم أكد باحثون مشاركون في هذا العمل من بينهم هشام فتح وعبد العزيز الصبطي، أن اختيار حسن الفد موضوعا للدراسة لم يكن اعتباطياً بل لكونه يمثل تجربة فنية تجمع بين الانتشار الجماهيري والعمق الفكري، ما يجعله مادة غنية للتحليل الأكاديمي.
وأشاروا إلى أن هذا المشروع انطلق من مبادرة علمية داخل جامعة القاضي عياض قبل أن يتحول إلى عمل جماعي يسعى إلى مواكبة الإنتاج الفني بنقاش نقدي يساهم في تطويره.
ويعكس هذا اللقاء في عمقه تحولا لافتا في علاقة الجامعة بالإنتاج الفني حيث لم تعد الكوميديا مجرد مادة للاستهلاك بل موضوعا للتحليل والتفكيك في خطوة تؤشر على نضج النقاش الثقافي داخل المغرب











