العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تكشف أول تجربة إطلاق حي في مركز إفريقيا للتدريب والتجريب متعدد المجالات AMTEC بمدينة طانطان عن مستوى متقدم من التعاون الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة، في وقت تتجه فيه الشراكة بين البلدين من المناورات والتدريبات المشتركة إلى مجالات أكثر تطورا تشمل اختبار التكنولوجيا العسكرية وتطوير القدرات والابتكار الدفاعي.

وفي قراءة خاصة للعيون الآن اعتبر الدكتور محمد الغالي عميد كلية الحقوق بقلعة السراغنة، أن هذه التجربة تعكس بشكل واضح مستوى الثقة الذي بلغته العلاقات المغربية الأمريكية، مبرزا أن التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن أصبح أحد أبرز تجليات الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين.
وكانت مدينة طانطان قد احتضنت خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 7 غشت الجاري، أول تجربة إطلاق حي تستفيد من قدرات مركز AMTEC، بمشاركة القوات المسلحة الملكية المغربية والقوات الأمريكية، في إطار مبادرة أمريكية لتوسيع ميادين الاختبار بهدف اختبار منظومة للضربات الدقيقة بعيدة المدى في بيئة عملياتية واقعية، وجمع بيانات ميدانية تساعد على تقييم الأداء وتطوير القدرات.
ويرى الدكتور محمد الغالي أن أهمية هذه التجربة لا ترتبط فقط بطبيعة المنظومة العسكرية التي جرى اختبارها، وإنما بما تكشفه عن تطور طبيعة التعاون العسكري المغربي الأمريكي.
فالشراكة لم تعد تقتصر على التدريبات والمناورات المشتركة وإنما بدأت تشمل مستويات أكثر تقدما تقوم على التجريب والابتكار واختبار القدرات العسكرية في ظروف ميدانية حقيقية.
تكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن تجربة طانطان لم تكن مجرد عرض لقدرة عسكرية، بل تضمنت إقامة موقع اختبار ميداني مؤقت، وتنفيذ إطلاق حي بالتعاون مع مهندسين وتقنيين تابعين لشركة أمريكية متخصصة في تكنولوجيا الدفاع، إلى جانب اختبار أنظمة الاتصال وجمع بيانات مرتبطة بالظروف الجوية والاستهداف والأداء العملياتي.
وبذلك يصبح AMTEC جزءا من منظومة تربط بين القوات المسلحة والصناعة الدفاعية والبحث والتجريب، بما يسمح بتحويل الابتكار التكنولوجي إلى قدرات قابلة للاختبار والتطوير ثم الاستخدام العملياتي.
وفي صلب تصريحه للعيون الآن ربط الدكتور محمد الغالي هذه الدينامية بالتطور الذي عرفته العلاقات المغربية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة خصوصا في ظل توطيد التعاون الاستراتيجي بين البلدين.
وقال الغالي إن التعاون المغربي الأمريكي في المجالات الأمنية والعسكرية، والذي تعزز عبر سلسلة من التدريبات المشتركة إلى جانب تجربة إطلاق الصاروخ بعيد المدى، يعكس مستوى الثقة الذي وصلت إليه العلاقات بين الرباط وواشنطن.
ويرى الأكاديمي المغربي أن هذه الثقة تستند كذلك إلى التحولات التي عرفتها العلاقات الثنائية، وفي مقدمتها اتفاقيات أبراهام والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه ودعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للحل.
وبحسب الغالي فإن هذه المعطيات تجعل التعاون الدفاعي جزءا من مسار أوسع للعلاقات المغربية الأمريكية، يتداخل فيه الأمني والاستراتيجي والاقتصادي والدبلوماسي.
ويحظى اختيار طانطان لاحتضان هذا النوع من التجارب بدلالة خاصة في قراءة الدكتور محمد الغالي، بالنظر إلى الموقع الذي بدأت الأقاليم الجنوبية للمملكة تحتله داخل منظومة التعاون العسكري المغربي الأمريكي.
فإنشاء مركز متعدد المجالات للتدريب والتجريب في طانطان، ثم استخدام قدراته في أول تجربة إطلاق حي، يعكس انتقال المنطقة من مجرد فضاء لاحتضان المناورات إلى منصة فعلية لاختبار القدرات والتكنولوجيا الدفاعية الحديثة.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب إلى جانب بنيته التحتية وخبرته المتراكمة في احتضان التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات، واشنطن وشركاءها فضاء مناسبا لاختبار منظومات عسكرية في ظروف واقعية، خصوصا في مجالات النيران بعيدة المدى والأنظمة الذاتية والاتصالات وأجهزة الاستشعار والتقنيات الناشئة.
ومن هذه الزاوية يمكن أن تتحول طانطان تدريجيا إلى نقطة التقاء بين الاحتياجات العملياتية للقوات المسلحة وقدرات شركات الصناعات الدفاعية، ليس فقط بالنسبة إلى المغرب والولايات المتحدة، وإنما بالنسبة إلى عدد من الشركاء الأفارقة.
يضع الدكتور الغالي تجربة طانطان ضمن سياق أوسع مرتبط بالتحولات التي يعرفها النظام الدولي وتغير خرائط النفوذ وموازين القوى. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تبحث في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، عن شركاء موثوقين وقادرين على المساهمة في مواجهة التحديات الأمنية الجديدة، معتبرا أن موقع المغرب واستقراره وقدراته العسكرية وخبرته في التعاون الأمني تجعله شريكا ذا أهمية متزايدة بالنسبة إلى واشنطن.
وفي هذا السياق لا تقتصر أهمية الموقع المغربي على القارة الإفريقية، بل تمتد إلى المجال الأطلسي الذي أصبح وفق قراءة الغالي، أحد المجالات التي تتزايد أهميتها في حسابات التوازنات الدولية. وبذلك فإن المغرب لا يظهر فقط باعتباره مستضيفا لمناورات أو تدريبات عسكرية، وإنما كشريك قادر على توفير بيئة عملياتية ولوجستية وتكنولوجية تسمح بتطوير واختبار القدرات الدفاعية.
وتؤشر تجربة إطلاق المنظومة الصاروخية في طانطان على أن التعاون العسكري المغربي الأمريكي يدخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من التدريب على استخدام القدرات الموجودة إلى المشاركة في اختبار وتطوير القدرات المستقبلية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على حجم الترسانة العسكرية، وإنما أصبحت مرتبطة بالقدرة على دمج الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والاتصالات المتقدمة والاستشعار والبيانات في منظومات عملياتية متكاملة.
ومن هنا تكتسب تجربة AMTEC أهمية تتجاوز لحظة إطلاق الصاروخ لأن البيانات التي يتم جمعها خلال الاختبارات الميدانية يمكن أن تشكل أساسا لتطوير منظومات لاحقة وتحسين الأداء ورفع الجاهزية.
كما أن مشاركة شركة أمريكية متخصصة في تكنولوجيا الدفاع إلى جانب القوات المغربية والأمريكية تفتح الباب أمام نموذج أكثر تكاملا للتعاون بين المؤسسة العسكرية والصناعة الدفاعية ومراكز التجريب.
ويحمل توطيد هذا النوع من التعاون في طانطان دلالة إضافية بالنسبة إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة تستضيف عددا من الأنشطة العسكرية والتدريبات متعددة الجنسيات. فاحتضان المنطقة لتجارب ذات طابع تكنولوجي وعسكري متقدم يعكس، في جانب منه حجم البنية التحتية والقدرات اللوجستية والمجال الجغرافي الذي أصبح متاحا لتطوير التعاون العسكري الدولي.
كما أن تحول طانطان إلى مركز للتدريب والتجريب متعدد المجالات يمنح الأقاليم الجنوبية وظيفة جديدة داخل منظومة التعاون الدولي، تتجاوز بعدها الجغرافي لتشمل التدريب والابتكار والاختبار والتعاون الأمني.
وهنا تبرز أهمية الرؤية التي أعلنها المسؤولون عن المركز، والقاضية بتطوير AMTEC ليصبح مركزا إقليميا للابتكار والتعاون الاستراتيجي والتطوير الصناعي، ومنصة للتميز في مجالات التجريب والتحقق والتقييم وتطوير التكنولوجيا المتقدمة.
ولا تتوقف الدلالة الاستراتيجية للمركز عند حدود التعاون المغربي الأمريكي، إذ إن طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجه القارة الإفريقية تجعل امتلاك فضاءات متقدمة للتدريب والاختبار والتجريب ذا أهمية متزايدة.
فالإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الحدود والهجمات السيبرانية والتطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية كلها تحديات تتطلب قدرات جديدة وشراكات أكثر مرونة.
ومن هذا المنطلق يمكن أن يتحول AMTEC، في حال استمر تطويره وتوسيع مجالات عمله، إلى منصة إقليمية تستفيد منها القوات المغربية والأمريكية وشركاؤهما في إفريقيا، بما يعزز موقع المملكة باعتبارها إحدى نقاط الارتكاز الأساسية للتعاون الأمني الأمريكي في القارة.
ولا تنحصر تداعيات المشروع في الجانب العسكري، إذ يمكن أن تفتح استضافة اختبارات التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة المجال أمام تعاون صناعي وتكنولوجي أوسع. فوجود بيئة ميدانية لاختبار الأنظمة الدفاعية، إلى جانب القوات المسلحة والشركات المتخصصة، قد يوفر مستقبلا فرصا أكبر لتبادل الخبرات وتطوير المهارات وربط الاحتياجات العملياتية بالبحث والابتكار والصناعة.
هذا البعد يجعل المشروع ذا أهمية تتجاوز الوظيفة العسكرية المباشرة خصوصا في ظل سعي المغرب إلى تطوير منظومة صناعية دفاعية وطنية وتعزيز موقعه كمركز إقليمي للتعاون والاستثمار والتكنولوجيا.
وفي المحصلة تجربة إطلاق المنظومة الصاروخية في طانطان أكثر من مجرد اختبار عسكري عابر. فهي من منظور الدكتور محمد الغالي، محطة جديدة في مسار شراكة مغربية أمريكية تتجه نحو مزيد من العمق الاستراتيجي، وتقوم على الثقة وتبادل الخبرات والتعاون العملياتي والتكنولوجي.
كما أن اختيار طانطان لاختبار هذه القدرات يسلط الضوء على الدور المتزايد الذي تلعبه الأقاليم الجنوبية داخل هذه الشراكة، وعلى تحول المنطقة إلى فضاء قادر على احتضان تدريبات وتجارب عسكرية متقدمة ذات بعد إقليمي.
وبينما تتغير طبيعة التهديدات وموازين القوى الدولية، أن المغرب والولايات المتحدة يعملان على بناء نموذج جديد للتعاون الدفاعي، لا يقوم فقط على المناورات التقليدية، وإنما على التدريب والابتكار والتجريب وتطوير التكنولوجيا وربط القدرات العسكرية بالاحتياجات الأمنية للقارة الإفريقية.
ومن هذه الزاوية فإن تجربة طانطان تقدم مؤشر إضافيا على أن العلاقات المغربية الأمريكية تجاوزت منذ سنوات إطار التعاون التقليدي، لتتجه نحو شراكة استراتيجية أكثر تكاملا، يحتل فيها المغرب موقعا متقدما باعتباره شريكا أمنيا موثوقا وفاعلا في إفريقيا والمجال الأطلسي.












