العيون الآن.
يوسف بوصولة
يشارك الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني يوم الثلاثاء في قمة مصغرة تحتضنها العاصمة الأمريكية واشنطن، بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبحضور عدد من قادة دول غرب ووسط إفريقيا بينها السنغال والغابون وغينيا بيساو وليبيريا. تأتي هذه القمة في توقيت دبلوماسي حاسم بالنسبة لنواكشوط، التي تعد الدولة العربية الوحيدة المشاركة، ما يعكس تموقعها المتقدم في معادلات الساحل والصحراء، وفي الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى.
تتجاوز أهمية المشاركة الموريتانية حدود الحضور الرمزي، إذ إنها تحمل مؤشرات استراتيجية عميقة تتقاطع مع التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة، على رأسها ملف الصحراء المغربية الذي قد يتأثر بمخرجات القمة. فالمصالح المغربية المتصاعدة في منطقة الساحل، والتقارب الملموس بين الرباط وواشنطن يضعان نواكشوط في موقع مفصلي، خاصة إذا ما استخدمت القمة كقناة غير مباشرة للتواصل بين المغرب والإدارة الأمريكية عبر البوابة الموريتانية.
منذ عقود حافظت موريتانيا على موقف “الحياد” في ملف الصحراء، متجنبة الانحياز لأي طرف من طرفي النزاع المغرب أو الجزائر، وهو موقف مكنها من لعب دور الوسيط، وحافظ على علاقاتها الثنائية مع الجارين. غير أن هذا الموقف الذي اكتسب طابعا ثابتا منذ الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” سنة 1984 في سياق خاص بدأ يبدو متجاوزا أمام التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، خاصة بعد اعتراف عدد كبير من الدول بسيادة المغرب على الصحراء، أو دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد أو “الأكثر جدية ومصداقية وواقعية” وفق تعبير الأمم المتحدة.
وفي طليعة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، التي وقع رئيسها دونالد ترامب في دجنبر 2020، مرسوما يعترف بسيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي استمر في عهد جو بايدن، وأكدته إدارة ترامب الثانية مؤخرا مما يعزز الثقل السياسي للمقترح المغربي في المحافل الدولية.
من جهته سبق للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن صرح في مقابلة مع صحيفة لوفيغارو الفرنسية في شتنبر 2023، أن بلاده تلتزم بـ”الحياد” في النزاع لكنه وصف هذا الحياد بـ”الإيجابي” منذ توليه السلطة في 2019، دون أن يفصح عن تفاصيل أكثر. وهو توصيف يقرأ على نطاق واسع باعتباره مؤشرا على انفتاح سياسي محتمل في الموقف الموريتاني الرسمي، يتماشى مع المعطيات الجديدة في ملف الصحراء.
كما أن مشاركة الغزواني في قمة واشنطن تأتي على بعد أسابيع قليلة من انعقاد القمة الموسعة الأمريكية الإفريقية، ما يعكس رغبة واشنطن في إعادة تموضعها الاستراتيجي في الساحل، خاصة في ظل التنافس الصيني والروسي المتزايد، وهو ما يرفع من أسهم موريتانيا في التوازنات الإقليمية، ويضعها أمام فرصة لإعادة تقييم مواقفها السياسية في ملفات حساسة، من ضمنها النزاع حول الصحراء المغربية.
على ضوء ذلك، تبرز مشاركة نواكشوط في القمة باعتبارها لحظة اختبار دبلوماسي قد تفضي إلى إعادة ضبط بوصلتها السياسية إزاء قضية الصحراء، خاصة في ظل تقاربها المتزايد مع الرباط، وسعيها إلى تعزيز دورها في معادلات الساحل، وهو ما قد ينعكس في المواقف الرسمية خلال الشهور المقبلة.











