العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
شهدت الجلسة التشريعية بمجلس النواب اليوم الثلاثاء، نقاشا سياسيا وقانونيا واسعا حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في إطار مواصلة دراسة النص داخل المؤسسة التشريعية دون الحسم النهائي في مسطرة المصادقة عليه بعد.
يأتي هذا المشروع في سياق إصلاحات أوسع لمنظومة العدالة حيث يهدف إلى إعادة تنظيم شروط الولوج إلى المهنة، وتحديث آليات ممارستها وتعزيز بعض الضمانات المرتبطة بالدفاع، في وقت تتباين فيه قراءات الفرق البرلمانية بين من يعتبره خطوة نحو التحديث، ومن يحذر من انعكاساته على استقلالية المهنة.
وزير العدل عبد اللطيف وهبي أوضح خلال تقديم المشروع أن تمكين المحامين الأجانب من مزاولة مهام الدفاع داخل المغرب يظل مشروطا بضوابط قانونية دقيقة، تروم الجمع بين تشجيع الاستثمار الخارجي وضمان احترام الإطار المهني الوطني.
وأكد الوزير أن المحامي غير الحامل للجنسية المغربية لا يمكنه ممارسة المهنة إلا إذا كان مسجلا في جدول إحدى هيئات المحامين بالمملكة، خاصة في إطار اتفاقيات دولية تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل.
كما ينص المشروع على إمكانية منح استثناءات بترخيص من وزير العدل لفائدة مكاتب محاماة أجنبية مرتبطة بمشاريع استثمارية أو صفقات كبرى داخل المغرب، مع تحديد نطاق تدخلها في حدود تلك المشاريع فقط، وإخضاعها للتسجيل لدى الهيئات المهنية المعنية.
وأوضح وهبي أن هذا الإطار يهدف إلى ضبط الانفتاح على الممارسة الدولية للمهنة، مع ضمان احترام أعرافها وتقاليدها، وتفادي أي اختلال في شروط المنافسة أو الاستقلالية المهنية.
ويتضمن المشروع أيضا مستجدات تتعلق بتنظيم العلاقة بين المحامي وموكله، من خلال التنصيص على ضرورة وجود تكليف مكتوب يحدد هوية الأطراف وموضوع القضية ومرحلة التقاضي وأتعاب المحامي، بهدف تعزيز الشفافية وحماية حقوق الطرفين.
كما يعزز النص وفق الوزير ضمانات حصانة الدفاع، عبر إلزام السلطات القضائية بإشعار نقيب الهيئة في حالة توقيف محامٍ بسبب مرتبط بمهنته، وعدم الاستماع إليه إلا بحضور النيابة العامة والنقيب أو من ينوب عنه، في خطوة يعتبرها المشروع ترسيخا لاستقلالية الدفاع.
ويتضمن أيضا مقتضيات تنظيمية مرتبطة بسير الجلسات داخل المحاكم، من بينها منع أي سلوك من شأنه التشويش على سيرها، إضافة إلى إصلاحات تخص المسطرة التأديبية وتحديد آجال البت في الشكايات وضمان حق الدفاع.
اعتبرت فرق الأغلبية أن مشروع القانون يمثل محطة مهمة في تحديث منظومة العدالة، ويدخل ضمن الدينامية الإصلاحية التي تشهدها البلاد.
وأكدت هذه الفرق أن تطوير مهنة المحاماة يندرج ضمن رؤية شمولية تشمل تحديث المحاكم وتبسيط المساطر، والتحول الرقمي، بما يعزز نجاعة العدالة ويواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
كما شددت على أن الإصلاح يهدف إلى تقوية مؤسسات المهنة وتحديث شروط الولوج والتكوين، مع دعم تمثيلية الشباب والنساء، في إطار تعزيز دينامية التجديد داخل الجسم المهني.
في المقابل عبرت مكونات المعارضة عن تحفظات واضحة بشأن عدد من مقتضيات المشروع، معتبرة أن بعضها قد يؤثر على استقلالية مهنة المحاماة، وعلى توازن منظومة العدالة.
فريق التقدم والاشتراكية سجل ما اعتبره “نزوعا نحو الضبط الإداري للمهنة”، محذرا من انعكاس ذلك على التنظيم الذاتي للمحامين، ومعلنا موقفه الرافض للصيغة الحالية.
أما الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية فاعتبر أن المحاماة ليست مجرد مهنة تنظيمية بل رسالة حقوقية، مشددا على ضرورة ضمان شروط الولوج والتكوين بما يحفظ مبدأ تكافؤ الفرص وحق الدفاع.
بدوره، دعا الفريق الحركي إلى إصلاح متوازن يحافظ على استقلالية المهنة ويعزز بعدها الحقوقي، مع تقوية التمثيلية المهنية وتوفير حماية قانونية أكبر للمحامين أثناء مزاولة مهامهم.
يكشف النقاش البرلماني حول مشروع قانون المحاماة عن تباين واضح في الرؤى بين مكونات الأغلبية والمعارضة، بين من يراه إصلاحا ضروريا لتحديث العدالة وتعزيز نجاعة المؤسسات، ومن يعتبره مشروعا يحتاج مزيدا من التوازن لضمان عدم المساس باستقلالية المهنة.
ومع استمرار دراسة النص داخل البرلمان دون التصويت النهائي عليه، يبقى السؤال المطروح مرتبطا بقدرة المشروع على تحقيق معادلة دقيقة بين تحديث الإطار القانوني للمحاماة، وضمان استقلاليتها كأحد أعمدة منظومة العدالة، في سياق إصلاحات أوسع تعرفها البلاد في قطاع العدالة.











