العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية اليوم الاثنين حيز التنفيذ، ليطوي بذلك أكثر من خمسة عقود من العمل بمقتضيات الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447، ويضع قواعد إجرائية جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم مسار التقاضي وتنفيذ الأحكام داخل محاكم المملكة.
يأتي دخول القانون الجديد حيز التنفيذ في سياق السعي إلى تجاوز عدد من الإشكالات التي أفرزها التطبيق العملي للنظام السابق، خصوصا ما يرتبط بتعقيد المساطر، وطول آجال البت في القضايا، وصعوبات التبليغ وتنفيذ الأحكام، إلى جانب محدودية اعتماد الوسائل الرقمية وتنظيم قواعد الاختصاص وطرق الطعن.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد تعزيز دور النيابة العامة في حماية النظام العام داخل الخصومة المدنية، من خلال تمكينها من الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بهذا النظام، حتى في الحالات التي لا تكون فيها طرفا في الدعوى الأصلية مع إعفائها في حالات محددة من الآجال العادية المقررة للطعن.
كما وضع القانون مقتضيات أكثر صرامة لمواجهة إساءة استعمال حق التقاضي، إذ أصبح بإمكان المحكمة الحكم بالتعويض عن التقاضي التعسفي، فضلا عن فرض غرامات مالية في بعض الحالات التي يتبين فيها أن الطعن أو التعرض لم يكن يستهدف سوى المماطلة وتعطيل تنفيذ الأحكام.
ويهدف هذا التوجه إلى الحد مما يعرف بـ”الهدر المسطري” وتبسيط الإجراءات، بما يسمح بتدبير الدعاوى القضائية بشكل أكثر سرعة ونجاعة.
وفي إطار إعادة تنظيم الخريطة الإجرائية للقضاء نص القانون الجديد على توحيد المساطر المدنية والإدارية والتجارية المتعلقة بقضاء القرب ضمن نص واحد، في إطار الجمع بين مبدأي وحدة القضاء والتخصص فيه.
كما أسند للمحاكم الابتدائية اختصاص النظر في مختلف القضايا المدنية والاجتماعية وقضايا الأسرة، مع منح الأقسام المتخصصة، ولا سيما الإدارية والتجارية، صلاحية البت في النزاعات الداخلة ضمن اختصاصها.
وفي ما يتعلق بالاختصاص القضائي الدولي حدد القانون الحالات التي تكون فيها المحاكم المغربية مختصة بالنظر في النزاعات ذات الطابع الدولي، بالاستناد إلى قواعد القانون الدولي الخاص المعاصر، بما يستهدف تعزيز الأمن القانوني ودعم جاذبية المملكة للاستثمار.
شملت المستجدات أيضا تنظيم عملية تقييد الدعاوى، حيث يتم تسجيل القضايا في السجل المعد لذلك وفق ترتيب تسلسلي حسب جهة الإيداع، مع تضمين بيانات تتعلق بأسماء الأطراف ومحاميهم عند الاقتضاء وموضوع الدعوى وتاريخ الاستدعاء.
أما في ما يخص المساعدة القضائية فقد نص القانون على توجيه مقال استئناف مقرر الرفض إلى محكمة الدرجة الثانية داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ إيداع المقال طبقا لمقتضيات المادة 43.
ويمنح القانون الجديد مكانة أكبر للحلول الودية للنزاعات، من خلال تكريس دور المحكمة في تشجيع الصلح بين الأطراف.
وبموجب المقتضيات الجديدة يمكن للمحكمة أن تعرض الصلح تلقائيا في أي مرحلة من مراحل الدعوى، على أن يتم إثباته في حكم غير قابل لأي طعن.
وتحتل الرقمنة موقعا بارزا ضمن المستجدات التي جاء بها القانون رقم 58.25، بعدما خصص لها باب مستقل يتضمن مجموعة من المقتضيات المتعلقة برقمنة المساطر والإجراءات القضائية.
ويتيح القانون إمكانية إيداع المقالات والمذكرات والطعون عبر منصات إلكترونية موحدة وآمنة، إلى جانب اعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل اللامادي للوثائق، مع التنصيص على توفير البنية التقنية اللازمة لضمان حماية المعطيات الشخصية وإضفاء الحجية القانونية على الإجراءات الرقمية.
كما أقر القانون التبليغ الإلكتروني ومنح الحجية للمراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين، مع اعتماد البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع احتياطي في حال تعذر التبليغ بالعنوان المصرح به.
وألزم النص أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، في حين منح الأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص إمكانية اختيار التبليغ الإلكتروني.
وعلى مستوى القضاء الاستعجالي، أتاح القانون إمكانية البت دون استدعاء الخصم في حالات الاستعجال القصوى، كما حدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في 15 يوما.
ولم تقتصر المستجدات على مرحلة إصدار الأحكام، بل امتدت إلى مرحلة التنفيذ، من خلال تعزيز صلاحيات قاضي التنفيذ، وإتاحة الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، فضلا عن فتح إمكانية إجراء عمليات البيع عبر منصة إلكترونية.
وسبق دخول قانون المسطرة المدنية الجديد حيز التنفيذ إصدار دوريات عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل والوكالة القضائية للمملكة، تضمنت توجيهات وتوضيحات بشأن عدد من المقتضيات والمستجدات التي جاء بها هذا الورش التشريعي.
وبدخوله حيز التنفيذ، يضع القانون رقم 58.25 إطارا إجرائيا جديدا للتقاضي المدني بالمغرب، يقوم وفق المقتضيات الواردة فيه على تبسيط المساطر، وتوسيع استخدام الوسائل الرقمية، وتعزيز فعالية التنفيذ، وتشجيع التسوية الودية، إلى جانب الحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى إطالة أمد النزاعات وتعطيل تنفيذ الأحكام












